طوال أيام الأسبوع الماضي، ظلت وكالات الأنباء، ومعها طبعا النشرات الإخبارية الفضائية تتناقل صورة الرئيس الصيني هو جنتاو خلال رحلته التي قام بها مؤخرا إلى أصقاع نائية من القارة الإفريقية.

وما أبعد الليلة عن البارحة.. فبعد عامين ليس إلا تحتفل بكين بالذكرى الستين لانتصار الثورة الكبرى التي قادها الزعيم ماوتسي تونغ (1893 ـ 1976) ومن ثم قيام دولة الصين الشعبية التي نشأت في إطار المعسكر الشيوعي ـ الاشتراكي وقتها ولكن لم تمض سوى عشر سنوات حتى أعلنت الصين الشعبية انفصالها عن ذلك المعسكر الذي كان يقوده الكرملين السوفييتي ومن ثم بدأت بكين مسيرتها المستقلة عقائديا وسياسيا وهي مسيرة طرأت عليها تطورات ومستجدات لم يكن أحد ليحسب لها حسابا في ميزان التصور أو التوقعات.

ويكفي لوعي هذه المستجدات التي طرأت على الشأن الصيني، أن نقارن بين الصورة النمطية (ستريوتايب) التي كانت منطبعة بين زعامات الأمس واليوم في أكثر أقطار العالم ازدحاما بالسكان.. لقد ظل العالم يتابع عبر 4 عقود من الزمن صورة زعامات الصين وكبار قادتها من أمثال ماوتسي تونغ.. شوين لاي.. دنغ هسياو بنغ.. كانوا جميعا يعطونك الانطباع المرتبط برجال في خريف العمر وأحيانا شتاء السنين.. تبدو على معظمهم سيماء الفلاح الريفي الذي ما أن تصافحه حتى تكاد تلامس خشونة راحته كأنما فرغ لتوه من حراثة الأرض أو حصاد المحصول..

على ملامحه وسحنته ثمة شقوق وأخاديد حفرتها قسوة التجارب وطول العراك مع المشاكل أما رداؤه فيغلب عليه الأزرق العمالي أو الرمادي الغائم أو حتى الأحمر الطوبي الحائل.. أما الحلّة فلا يتغير طرازها الذي يحوم حول شكل بدلة السفاري، العاطلة من أي زينة، بحيث لا يكاد المرء يميز من خلالها بين إهاب الزعيم التاريخي وبين ثوب المواطن الذي يسعى في دروب العاصمة أو فوق أرصفة الموانئ أو حتى في شعاب الأرياف.

انتهى هذا كله مع عقد التسعينات من القرن الماضي، وانتهت معه عزلة التقشف التي كانت تستتر من خلفها إمكانات الصين التي كانت مدخرة ومواردها المادية والبشرية التي آذنت على مدى العقدين الأخيرين بالحركة والانطلاق وها هو زعيمها الحالي.. هوجنتاو يتابع حركته المكوكية، بفضل شبابه ـ النسبي طبعا، وقد ارتدى أفخر البدلات وأحدث ربطات العنق وأطل على مستقبليه من زعامات ومواطني القارة السمراء، خفيف الحركة، محافظا على سواد الشعر وأناقة التصفيف. بحيث يعطيك انطباعا أقرب إلى رجل الأعمال القادم من بورصات هونغ كونغ.

لكن محللي الشأن الصيني يدركون بالطبع أن وراء هذه الابتسامة الرئاسية والأناقة الصينية المستجدة.. تكمن شواغل وقضايا تساور ولاشك رئيس الصين الذي يدرك ولاشك أن عام 2007 الحالي سيشكل منعطفا حاسما في تطور ولايته وزعامته لبلده الآسيوي الكبير. ففي أواخر العام الراهن سوف يترأس السيد هوجنتاو المؤتمر المقبل للحزب الشيوعي الحاكم في الصين.

وهو المؤتمر الذي ينعقد كل خمس سنوات ويُعَد حدثا مشهودا على المستوى القومي من ناحية، فيما ينظر إليه المراقبون من ناحية أخرى على أنه أقرب إلى المجَمع السياسي والعقائدي الذي تطرح فيه مفردات الانجازات وكشوف السلبيات التي شهدتها الرئاسة والزعامة الصينية، وبعدها يصار إلى الحكم على مدى نجاح أو فشل رئيس البلاد وأعوانه على خياراته السياسية التي عمد إلى اتباعها.

ومن المتوقع أن يعطي المؤتمر الحزبي المرتقب إشارة تفويض لولاية رئاسية مجددة لصالح السيد هوجنتاو ومدتها 5 سنوات قادمة وإن كانت هذه الولاية الرئاسية سوف تشهد بدورها عددا من التحديات التي يتعين على الصين وقيادتها التصدي لها.. ويأتي في مقدمتها ما يلي:اتخاذ الاستعدادات الواجبة لاستضافة الصين دورة الألعاب الأولمبية المقبلة، المقرر افتتاحها في تمام الساعة الثامنة من صباح 8 أغسطس من عام 2008.

التعامل مع مشاكل هونغ كونغ التي تقترب بدورها من الاحتفال بالذكرى العاشرة لتحويلها من يد بريطانيا (الدولة الاستعمارية السابقة) إلى يد الصين، وفي مقدمة هذه المشاكل ذلك الشعور الذي ينعكس في دوائر الإعلام والفكر والسياسة في هونغ كونغ بأن التحول الديمقراطي مازال يمضي بخطى أبطأ مما كان متوقعا.. وأنه قد حان الوقت لإعلان نظام الاقتراع العام في هونغ كونغ وفق الأسس التي تأخذ بها النظم اللبرالية.

وهناك أيضا مشكلة تايوان.. ورغم أن القيادة الصينية قد عمدت في الآونة الأخيرة إلى «تهدئة اللعب» كما يقولون بالنسبة لتحاشي هذا «الصداع.. التايواني» الذي ظلت الجزيرة الصغيرة تسببه لليابسة في البر الصيني، أو الصين ـ الأم كما يسمونها ـ إلا أن المحلل الانجليزي «جيمس مايلز» يكتب من بكين .

مؤكدا أن انتخابات تايوان البرلمانية المقرر عقدها في مارس عام 2008 تعد من صميم الاهتمامات في الصين ـ الأم.. لأن أي تغيرات سياسية في تايبيه ـ عاصمة تايوان تمثل ترمومترا بالغ الحساسية يدل على مدى مطالبة تايوان بمزيد من الاستقلالية والتباعد عن الصين.. أو مدى ما يمكن أن يفضي إلى التقارب بين الطرفين في مستقبل الأيام..

وتشير الدراسة التي نشرتها «الايكونومست» البريطانية في مطلع هذا العام عن مستقبل الصين وتايوان إلى أن انتخابات ربيع 2008 التي ألمحنا إليها يمكن أن تسفر عن نجاحات يحققها حزب الكومنتانغ المعارض في تايوان وهو الفصيل السياسي القوي الذي يحبّذ توثيق الروابط بين الجزيرة وبين الصين ـ الأم.. وقد كان الكومنتانغ هو الحزب الذي ظل يحكم تايوان ـ فورموزا السابقة - على مدار 50 عاما إلى أن أزاحه عن السلطة لأول مرة الحزب التقدمي الديمقراطي بدعوته الانفصالية في عام 2000.

يلاحظ أيضا أن أميركا، وربما الغرب بعامة، كانوا يعقدون آمالا على نجاح هذا الفصيل السياسي الذي يكرس نزعة الانفصال عن بكين وبالتالي يشكل صداعا مزمنا - كما قد نصفه - لقيادة الصين الشعبية وهي التي تشكل بدورها أكثر من صداع اقتصادي شديد الإيلام للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حيث يميل الميزان التجاري دوما لصالح الصين بفضل مصنوعاتها وصادراتها الهائلة حجما والمتهاودة سعرا حيث يرجع هذا التهاود إلى الانخفاض، المزمن بدوره في قيمة عملة اليوان الصينية والى الانخفاض الشديد في أجور العمالة الصينية.

وكانت أميركا قد شجعت حركة الاستقلال ـ الانفصال التايوانية في عام 1995 بالذات، على نحو ما يوضح البروفيسور روبر روس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بوسطون (مجلة فورين أفيرز، عدد ابريل 2006) لكن واشنطن جديرة بأن تعود إلى سياسة التهدئة في المضيق الصيني حتى لا تورطها تايوان في أية مواجهة مع الصين ـ الأم.

ورغم كل هذه الشواغل، وربما بسببها، لا يملك المحلل السياسي سوى المتابعة بقدر لا نخفيه من الإعجاب لوقائع زيارة السيد هوجنتاو الأخيرة إلى إفريقيا.. أولا لأنها زيارة حافلة حقا.. فها هو رئيس دولة كبرى بكل معنى يضع 8 دول إفريقية على جدول زيارته ويسبقه في ذلك اللقب الذي خلعه عليه مراقبو الشأن الدولي وهو: «أكبر شريك تجاري مع القارة الإفريقية». وما ظنك برئيس دولة المليار وثلث المليار نسمة وهو يبدو حريصا على زيارة دولة لا يتعدى حجم سكانها 2 مليون نسمة ليس إلا.. اسمها ناميبيا..

وهو حرص لا يحدوه مجرد دوافع «الصداقة الأخوية» كما ذكر الرئيس الصيني شخصيا، بل تحدوه كذلك - ولا بأس - ان ناميبيا الواقعة في حزام منطقة الجنوب الإفريقي دولة أقرب إلى الصحراوية، لكن صحاريها، كما تؤكد وكالة الأسوشيتدبرس، غنية بالمعادن الثمينة ما بين اليورانيوم إلى الكوبالت وبين الماس إلى الزنك، فضلا عن الإمكانات السياحية.

وجميعها تشكل آفاقا واعدة ومفتوحة أمام تدفق الاستثمارات الصينية. فما بالك والقارة الإفريقية تزداد أكثر قطاعاتها السكانية فقرا ولدرجة تنقل معها صحيفة الجارديان ويكلي البريطانية (عدد 8/2/2007) عن جون لامبير الاختصاصي في الشؤون الصحية في البنك الدولي قوله «إن الغالبية العظمى من سكان إفريقيا (بلغوا من الفقر المدقع) الحد الذي باتوا فيه عاجزين عن تحمل ثمن قرص.. الاسبرين».!

من هنا جاء حرص القيادة الصينية على زيارة هذه الأقطار المدقعة الفقر.. ويسترعي الاهتمام أن هذا الحرص جاء مقرونا بالوعي السياسي، المستند بدوره، إلى قراءة صينية صحيحة للسياق التاريخي الذي تتم فيه مثل هذه الزيارات. هو سياق يصدر بداهة عن وعي الخلفية السياسية ـ الاجتماعية في أقطار ظلت لفترات طويلة خاضعة للنفوذ الامبريالي والسيطرة الاستعمارية الغربية على تنوع أصحابها ما بين الانجليز (شرق إفريقيا ووسطها) والفرنسيين (غرب إفريقيا) والهولنديين وأحفادهم البيض ـ البوير (جنوب إفريقيا) فضلا عن البرتغاليين (أنجولا وموزمبيق)..

ومن الطبيعي أن لا ينتهي ميراث الاستعمار عند مجرد حصول أقطار إفريقيا على الاستقلال على نحو ما شهدته ستينات القرن الماضي.إن هذه الأقطار مازالت تعاني من عقابيل الفترة الامبريالية التي خلفت تركة من التخلف الاقتصادي ومن التناقضات الاجتماعية ومن المشاكل الحدودية ومن هيمنة ثقافة ولغة المركز الامبريالي (هيمنة لسان الغالب على المغلوب حسب رؤية العلامة المسلم عبدالرحمن بن خلدون).. لاعجب أن إفريقيا مازالت تعيش، بل تكابد، مشاكل حقبة ما بعد الكولونيالية..

ولا عجب أيضا أن تتحفز القيادة الصينية الحالية إلى اقتناص هذه الفرصة فإذا برئيسها الزائر يؤكد لمضيفيه أن القروض التي سوف تقدمها بكين «لن تنطوي على أي شروط ولن تجني عليها أي فوائد» بما يزيح عن كاهل المقترضين عبء خدمة الديون. من هنا يمكن القول أن هذا الانفتاح الصيني على القارة الإفريقية، وعلى أصقاع نامية، وفقيرة أخرى فوق خريطة العالم.. يشكل بامتياز بالغ الدلالة مؤشرا على ما وصفه محللو الشؤون الدولية بأنه «موت الأيديولوجية» أو نهاية الطرح والتعاطي العقائدي مع القضايا والمشكلات..

وبمعنى أن راح عصر الكاهن التبشيري سواء كان هذا التبشير بمذهب ديني أو عقيدة سياسية.. وجاء عصر التعاون المشترك لتحقيق المنفعة الاقتصادية المتبادلة: إنه عصر يتحمل مسؤوليته اختصاصيو الصفقات والمبادلات.. حتى ولو حملوا لقب فخامة رئيس الجمهورية.. فالمصلحة الوطنية أسبق والمنافع المتبادلة أولى بالرعاية والاهتمام.

كاتب مصري