لست ضد أن يدر الإعلام أموالاً على أصحابه، فهذا دليل نجاح أو لنقل شطارة وذكاء، لكنني ضد أن تطغى التجارة على رسالة الإعلام ودوره في حياة المجتمع، ضد الفوضى التي ضربت مفاصل الإعلام العربي فحولته إما إلى صحف إثارة صفراء تكتب بطريقة الصراخ والزعيق كلاماً بلا أدلة وبلا منطق كبعض صحف المعارضة في بعض الدول العربية، وإما إلى قنوات فضائية تملأ الفضاء أصواتاً هزيلة، وأجساداً رخيصة تهتز طيلة الأربع والعشرين ساعة كأننا في حفلة زار بلا نهاية!.
وليت الفوضى الإعلامية توقفت عند الفضائيات الرخيصة الغنائية، ذلك أن المشاهدين اعتادوها وكادوا ينسونها لولا فئة من المراهقين أدمنوا مشاهدة أجساد الراقصات في أغاني الفيديو كليب، لكن الفوضى أنتجت فضائيات شعوذة، وفضائيات طائفية، وفضائيات معالجة عن بعد بالطلاسم وفك السحر، وفضائيات الشات، وفضائيات من فئة لزوم ما لا يلزم، مجرد فتاة شبه عارية تضع فوق رأسها سؤالاً تافهاً وتظل تنادي على المشاهدين بكل أجزاء جسدها كي يتصلوا ويجيبوا عن السؤال ليربحوا عشرة آلاف دولار ـ أي استهبال للناس وأي ابتذال للإعلام؟
في قناة عجيبة غريبة، لا تشاهد إلا برنامجاً وحيداً، رجل غريب الشكل تجلس بجواره فتاة تتلقى اتصالات المشاهدات والمشاهدين لتحيلها إليه (كان بإمكانه أن يتلقى الاتصالات دون مساعدة من أحد) كي يتعرف من خلال اسم المتصل واسم والدته على ما يعانيه من أمراض وما إذا كان مصاباً بعين أو سحر أو عمل ما، وفي لمح البصر يشخص حالته من خلف الشاشة ويعطيه العلاج القرآني المطلوب ويعده بأنه سيفك السحر المعمول له بطريقته!!
تكتشف أن كل المتصلين مسحورون ومربوطون بربط يمنعهم من الزواج والإنجاب و.. الخ، وإن هذا الرجل الذي تسميه المذيعة بالأسطورة هو معجزة لم يكتشفها وزراء الصحة بعد وإلا لكانوا استعانوا بعبقريته وأغلقوا كل المستشفيات وجامعات الطب!!.
بعد الاحتلال الأميركي للعراق، شاعت استراتيجية بشعة يطبقها الأميركان في الشرق الأوسط انطلاقاً من العراق تعرف بـ «الفوضى الخلاقة» وأظن بأن تناسل القنوات الفضائية العراقية جزء من هذه الاستراتيجية،فماذا تقدم هذه الفضائيات للشعب العراقي والعربي ؟
فوضى إعلامية اختلطت فيها التجارة بالسياسة بالمؤامرة، بالدين، وبالمخابرات، بالشعوذة... وقولوا ما شئتم.. وانتظروا المزيد.