للناس في المجتمع وجهة نظر غاضبة على الإعلام، فلو سمع مسؤولو الإعلام عندنا ما تتداوله العائلات عن إعلامهم الذي يقدمونه، لفكروا كثيراً قبل أن يستمروا في ما يقدمونه عبر الشاشات والمجلات والإذاعات، مرد الغضب ليس أخلاقياً فقط بمعنى أن الناس في المجتمع لا تنتقد الإعلام لأنه يتجاوز حدود الأخلاق فقط وإنما لأنه حاد عن رسالته تماماً على حساب المهنية والحرفية ورسالة التوعية والتنوير، وهي الرسائل التي اعتاد المشاهد على أن يتعامل مع الإعلام على أساسها!

لقد ظهر توجه قوي في السنوات الأخيرة في العالم العربي ينظر أصحابه إلى الإعلام على أساس أنه مشروع تجاري رابح، إنها فضائية تدر أموالاً بأية طريقة، ومجلة تفعل الشيء نفسه، وإذاعة توظف في السياق نفسه، الكل يمكنه أن يصير الدجاجة التي تبيض ذهباً بلا تعب ولا تخصص ولا إعلام ولا رسائل توعية، ولا برامج ثقافية ولا هم يحزنون!

حجة هذا الفريق أن برامج التوعية والثقافة لا جمهور لها ولا سوق، بمعنى أنها برامج لا تجد استحساناً من الرعاة والممولين، أي من الشركات التجارية كما أنها برامج ثقيلة الظل وبلا ضرورة، والناس في هذه الأيام يكفيها ما تعيشه من أحزان وأخبار تعيسة وإحباطات بلا نهاية، الناس ـ كما يقول عرابو هذا التوجه ـ يحتاجون إلى الترفيه والضحك!!

وفي مقابل هذا الفريق، فريق آخر لا يزال مستمسكاً بأخلاقية الإعلام ورسائله القيمية التي وجد لأجلها، ولا أدري حقيقة إن كان الإعلام في نشأته الأولى وبداية قد تأسس على فكرة أخلاقية قيمية معينة، لكنه بالتأكيد تأسس على رسالة طرفاها مرسل ومستقبل (إعلامي وجمهور) وأن هناك شيئا ما، فكرة ما، رسالة ما يراد توصيلها لطرف آخر، هكذا هو الإعلام في فكرته الأساسية الأولى، ثم وعبر قرون وسنوات عبر جسوراً وأنفاقاً وتنقل عبر نظريات وأفكار،.

وعندما صار جريدة وتلفازاً وإذاعة ومجلة في عالمنا العربي، كان المد القومي والعروبي، وحركات التحرر تجتاز الجغرافيا وتتنقل عبر الحدود بكل ضجيجها وزخمها وحرارتها عبر هذه الوسائل، ومن هنا ارتبط الإعلام بالحالة الأخلاقية القيمية عند معظمنا.

اليوم يتصادم الطرفان، الطرف الذي يرى في الإعلام تجارة والطرف الذي يرى فيه رسالة، والتصادم لم يأت لصالح الهدف أي لصالح الجماهير بل جاء على حساب قيمها وأخلاق أجيالها بسبب ما صار يحمله الإعلام التجاري من مضامين خطيرة، لا تفعل شيئاً سوى تسطيح وتتفيه العقول وتشييء البشر وتحويلهم إلى أشياء وسلع يعبث بها وبعقولها، وما يحمله إعلام الرسالة من تكريس لذهنية مازالت تقف عند حدود القرن الأول الهجري، من هنا يأتي غضب الناس على كل الإعلام العربي الذي لم يعد له علاقة بالناس بقدر ما صار يستغلهم لتحقيق مصالحه.

sultan@dmi.gov.ae