كتب الزميل العزيز الدكتور حسن مدن مؤخراً مقالاً بعنوان وهم الهوية الخليجية، وقد أثار ما جاء في مقاله الكثير من القراء، بعضهم استنكر كلامه وبعضهم غضب، ودارت نقاشات حادة بين بعض الأصدقاء من الإخوة العرب والمواطنين ما بين مؤيد ومعارض ورافض، لقد ذهب مدن إلى أن أهل الخليج أو بعضهم ينادي بهوية خاصة تميز أهل الخليج عن بقية أبناء الأمة العربية، كنوع من الدفاع والاستعلاء في مقابل كثير من أبناء العرب الذين قدموا إلى بلاد الخليج في بدايات طفرة النفط والتنمية فنظروا إليها على أنها مجرد مكان فاض بالبترول وان أهله عديمو العلم والثقافة والحضارة!
في الحقيقة لقد ذكرني مقال الدكتور حسن بإحدى المعلمات العربيات التي تصادمت مع طالباتها في المرحلة الثانوية منذ ما يزيد على العشرين عاماً، وسبب الصدام ذهاب المعلمة لهذا المنحى الذي جاء في المقالة، وإصرارها على أن تقول لطالباتها بأنها وزميلاتها من نفس الجنسية من نقلوهم من التخلف إلى التحضر، وعلموهم كيف يلبسون ويأكلون بالملعقة والشوكة و... لقد كان حديث المعلمة قاسياً ومعيباً، أولاً لكونها معلمة، وثانياً لطبيعة الحديث نفسه!
إن هذا النوع من الطروحات التي لا تنم عن وعي ولا عن نضج وتثمين حقيقي لنوعية العلاقات بين الإخوة العرب، ولنوعية الأدوار التي لعبها أصحاب المشاريع القومية والتنويرية الذين تبنوا تجسير الهوة بين مستويات التعليم والتنمية في الأقطار الخليجية مقابل الأقطار العربية الأخرى، ان عدم الوعي بهذا التاريخ وأسباب الفجوة وتفاوت مستويات التنمية العائد لمرجعيات استعمارية ومادية و.. الخ هو الذي دفع كثيرين لتبني شعور التفوق على الآخر أو الرغبة في إهانته كشعور دفين مرده إلى الجهل لا أكثر!
ان المجاهرة بالتفوق عليك من قبل الآخر، أو شعورك بالخطر من جاليات أجنبية بسبب تزايدها العددي، أو تأخر التنمية والمشاركة السياسية في الأقطار الخليجية، والشعور الحقيقي بوجود تفاوت واختلافات في البنى الفكرية والاخلاقية والقيمية بين سكان الخليج وكثير من الجنسيات القادمة إلى بلدان الخليج للعمل تحديداً، قاد إلى إصرار الخليجيين على أن تكون لهم هويتهم الخاصة التي لا تتضارب مع عروبتهم ولا مع إسلامهم ولن تتضارب أبداً، لكنهم لا يريدونها أن تذوب في الآخرين دون حاجة لهذا الذوبان، ودون أن يكون مرد الإصرار لأي شعور بالتفوق أو الاستعلاء أو الشوفينية.
إن الفرنسي يشعر باعتزاز بالغ بفرنسيته قبل أوروبيته أو مسيحيته دون أن يحرجه هذا الاعتزاز أو يجعله متهماً أو مضطراً للدفاع عن نفسه، وكذلك يشعر الألماني.... الخ، إن هذا الشعور بالفخر أو الاعتزاز الوطني ناتج عن يقين بوجود اختلاف ينظر إليه على أنه ميزة أو خاصية يراد الحفاظ عليها، وهذا حق طالما لا يجرح أحداً أو يؤذي أحداً أو يقود لانقسامات ذهنية أو قيمية في علاقتنا بمحيطنا العربي والإسلامي.