مشوش وحزين، يدعو إلى الشفقة المشهد الفلسطيني بمختلف أبعاده الداخلية والخارجية. إنه مشهد لا يكيد عدواً ولا يسر صديقاً، فلقد طوت أحداث العام المؤسفة صفحات مشرقة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، كان فيها الصمود البطولي، وتجربة الانتخابات الديمقراطية التي تفوق في جودتها ونظافتها مثيلاتها في المحيطين العربي والإقليمي، وكان فيها التوحد الكفاحي، والانتفاضة، والعمليات العسكرية النوعية.
الفلسطينيون اليوم يخجلون مما تفعل أياديهم بهم، فيما إسرائيل تمعن في تهويد القدس وتعريض الأماكن المقدسة والمعالم الأثرية للخطر، وتمعن أيضاً في مصادرة المزيد من الأراضي، وتتجه نحو استغلال الاقتتال الفلسطيني الداخلي والانقسام السياسي لكي تقنع العالم بأن الفلسطينيين غير مؤهلين لإدارة الدولة المستقلة التي يقر المجتمع الدولي بضرورة إنشائها إلى جانب إسرائيل.
وفي الآونة الأخيرة أخذت المصادر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تكثر من الحديث عن ازدياد جاهزية الجيش الإسرائيلي لمواجهة احتمالات القيام بعملية عسكرية كبيرة وواسعة في قطاع غزة، بذريعة إنقاذ الشعب الفلسطيني من مذابح داخلية، وانطلاقاً من دوافع أخلاقية نعرف أن إسرائيل تفتقد للحد الأدنى منها، وحتى تتجنب إسرائيل ملامة المجتمع الدولي باعتبارها وفق الادعاءات الإسرائيلية القادرة على منع وقوع «مذابح صبرا وشاتيلا» أخرى في غزة.
إسرائيل هذه ، التي تبث كل هذه الادعاءات وعلى ألسنة مسؤولين رسميين، لم تكف عن العبث بالساحة الداخلية الفلسطينية، وهي قد اجتهدت منذ بعض الوقت لإذكاء نار الانقسام والفتنة الداخلية بين الفلسطينيين، لكي تلحق بهم الهزيمة والانكسار بوسائل أخرى عجزت عن تحقيقها بالوسائل العسكرية والعدوان والإرهاب.
على أننا نفعل كما يفعل الكثيرون ممن يعتمدون سياسة إلقاء القاذورات كلها على العدو التاريخي المتربص، فالقيادات السياسية الفلسطينية تتحمل الكثير من المسؤولية عما تعانيه قضيتهم وشعبهم وفصائلهم. وتزداد مسؤولية القيادات السياسية الفلسطينية خصوصاً وأن كل من ينتسب إليها، يواصل الحديث، ويشدد على أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من استمرار وتفاقم ظاهرة الصراع العنيف الذي يجتاح الأراضي المحتلة، وقطاع غزة منها بصفة أكثر خصوصية.
الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن التي واظبت على رصد الأوضاع الداخلية أوردت معطيات مخيفة بشأن ضحايا الفلتان الأمني وفوضى السلاح والاقتتال الداخلي الذي تصاعدت حدته على نحو ملحوظ منذ بدايات العام الماضي 2006، وتحديداً بعد وعلى إثر الانتخابات التشريعية التي وقعت في الخامس والعشرين من يناير وحصلت بنتيجتها حركة حماس على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي.
فلقد سقط خلال شهر يناير عام 2005، ثلاثة عشر قتيلاً وفي الشهر ذاته من عام 2006 سبعة عشر قتيلاً، أما في يناير عام 2007 فسقط ستة وسبعون قتيلاً. وفيما يؤشر الوضع إلى تصاعد فقد قتل خلال الأيام الخمسة الأولى من شهر فبراير الجاري نحو خمسة وثلاثين، هذا بالإضافة في كل مرة إلى مئات الجرحى والمخطوفين من الطرفين، إضافة أيضاً إلى عشرات البيوت المدمرة، والمنشآت والمؤسسات الأمنية والتعليمية، والممتلكات العامة والخاصة.
المقارنة تبدو مخجلة أكثر حين نعلم أن من سقطوا على يد الاحتلال خلال شهر يناير هذا العام، هم ثلاثة عشر شهيداً، ثمانية منهم في الضفة وخمسة في غزة، الأمر الذي يضع المسؤولين الفلسطينيين بمختلف انتماءاتهم أمام أسئلة كبيرة ومحرجة.
عدا عن الآثار السلبية على المستويين العربي والدولي الناجمة عن اقتتال الأخوة الأعداء في فلسطين، فإن من غير المعقول أن يبدي المجتمع الدولي اهتماماً متزايداً إزاء ضرورة معالجة ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي فيما الفلسطينيون، أصحاب القضية، غائبون عن الوعي، مخلصون لأجندتهم الفصائلية أكثر من إخلاصهم للأجندة الوطنية، ومستعدون لأن يدفعوا ثمن ذلك من اللحم الحي للشعب الفلسطيني الذي لم يتوقف لحظة عن دفع ثمن نضاله من أجل حريته.
الرباعية الدولية التي اجتمعت في واشنطن يوم الثاني من هذا الشهر (فبراير)، أخذت على محمل الاهتمام السلبي بطبيعة الحال، الأوضاع المزرية التي تعيشها الساحة الفلسطينية ولذلك جاءت قراراتها مقصرة عن تلبية استحقاق إعادة بناء عملية السلام على أسس ومرجعيات وآليات جديدة مختلفة عن التجربة الفاشلة التي استهلكت نحو خمسة عشر عاماً.
الولايات المتحدة نجحت في أن تفرض على الرباعية الدولية منطقها فيما يتصل بطبيعة القرارات، بما في ذلك التشديد على استمرار الحصار الدولي على الفلسطينيين إلى أن تستجب الحكومة الفلسطينية حتى لو كانت حكومة وحدة وطنية لشروطها.
صحيح أن قرارات الرباعية الدولية تتضمن بعض الإشارات الإيجابية بالحديث عن الدولة الفلسطينية المتواصلة جغرافياً والقابلة للحياة، وعن أن العملية السياسية تستهدف إنهاء الاحتلال على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، وأيضاً عن إمكانية تجاوز المراحل الصعبة الأولى من خارطة الطريق، غير أن كل ذلك لا يرتقي إلى المستوى الذي يستجيب مع ما صرح به المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا، من أن المجتمع الدولي يتجه نحو الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها.
كثيرة هي المتغيرات الدولية والإقليمية والمعطيات التي تقع بين يدي المسؤولين الفلسطينيين، بما في ذلك أن استخدام السلاح والاقتتال لن يحقق لأحدهم مصلحة أو فائدة، فقد أسهمت في دفع طرفي الصراع حماس وفتح إلى تلبية دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز. على أن الأهم أن تكون الأطراف الفلسطينية قد امتلكت الإرادة الكافية للذهاب إلى مكة المكرمة بنية تحقيق الاتفاق على حكومة وحدة وطنية يدرك الجميع أن التوصل إليها لا يعدو كونه مدخلاً للبحث عن مخارج من الأزمة الشاملة والمتفاقمة التي تعصف بالوضع الفلسطيني برمته.
مكة توفر فرصة قوية للأطراف الفلسطينية ولكنها أيضاً الفرصة الأخيرة إما باتجاه التوافق ولم الشمل، وإما باتجاه تصعيد الاقتتال وتوسيع رقعته، حتى يشمل كامل قطاع غزة والضفة الغربية.
التصريحات التي سمعناها من مختلف القيادات الفلسطينية هذه المرة تختلف عن السابقة، وبدون امتلاك خبرة التحليل، فإن تلك التصريحات التي سبقت الوصول إلى السعودية تظهر مدى جدية الأطراف والتزامها بالعمل الإيجابي من أجل التوصل إلى اتفاق، الأمر الذي يؤكده تصريح الرئيس المصري حسني مبارك وأشار فيه إلى أن الفلسطينيين أصبحوا قريبين جداً من التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية، خصوصاً وأن قضايا الخلاف محدودة رغم أهميتها.
أما الفلسطينيون من أبناء الشعب، فإنهم يتطلعون بأمل قلق لأن يعود المتحاورون من جدة وبيدهم ما ينهي فصول المأساة الفلسطينية التي يظللها بالسواد الاقتتال بين الأخوة، وذهب إلى حد تهديد وحدة العائلة الفلسطينية الواحدة، التي ينتمي كل فرد من أفرادها إلى فصيل يتناحر مع الفصائل الأخرى إلى حد الموت.
بأياديهم يمكن للفلسطينيين أن يطووا صفحات الاقتتال السوداء، وأن يستعيدوا ألقهم ودورهم الكفاحي، عبر وحدتهم وحوارهم الديمقراطي الهادئ، وأن يدفعوا شعبهم وقضيتهم إلى الهلاك، إنهم السائل والمسؤول وعليهم أن يستثمروا فرصة الحضن السعودي الدافئ، وإلا فإن الشعب أخذ يردد خلال مسيراته الاحتجاجية التي وقعت ضد الاقتتال: «حلوها أو حلو عنا».
كاتب فلسطيني