لم تكن دعوة المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية آية الله علي خامنئي بتشكيل منظمة دولية لمنتجي الغاز على غرار منظمة الأوبك، فكرة جديدة بالنسبة لقطاع الطاقة الروسى، وانما أثار توقيتها تساؤلات عديدة ليس فقط في هذه الأوساط و إنما أيضا في الأوساط السياسية الروسية.

وجاء رد الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحفي ليبدو أنه مغاير لتوجهات روسيا على مدار السنوات الماضية، التي كانت تتبنى بشكل صريح الدعوة لإقامة منظمة لمنتجي الغاز على غرار منظمة أوبك، في إطار تحجيم ضغوط اتحاد المستهلكين.

ولابد من القول إن إيران قد بحثت هذا المقترح مع روسيا في وقت سابق، التي تدعو منذ سنوات لإيجاد صيغة تعاون بين منتجي الغاز لمواجهة ضغوط المستهلكين، وقد نجح قطاع الطاقة الروسي في إقامة صلات تعاون متميزة مع الجزائر، التي توفر أكثر من 20% من احتياجات أوروبا من الغاز.

ولم تستبعد موسكو أن يضم هذه الحلف الجديد إيران والجزائر وقطر، ومن المتوقع أن يسيطر هذا الاحتكار المتوقع تشكيله على نصيب هائل من المخزون العالمي للغاز الطبيعي، حيث تنتج هذه البلدان الأربعة أكثر من 30 % من مجموع الغاز المستخرج في العالم حاليا. مع العلم بأن مخزونها المؤكد من الغاز يزيد على 60 % من الاحتياطي العالمي. وهي نسبة قريبة من نصيب أوبك من احتياطي النفط العالمي والبالغ 68 %.

وبالإضافة إلى ذلك يمكن توسيع دائرة المشتركين المحتملين في هذه المنظمة. وقد حاول الكرملين خلال فترة رئاسة روسيا لمجموعة الثماني الكبار إقناع أعضاء نادي الأثرياء بإنشاء نظام عالمي يضمن حماية موارد الطاقة من مخاطر اندلاع الصراع الهادف للسيطرة عليها، في ظل الغموض الذي يخيم على استراتيجيات الطاقة لبعض البلدان، والذي يمكن أن يمثل «تهديدا» لأمن الطاقة ولاستمرار إمداد بلدان العالم بالطاقة، ودعا المشروع الروسي إلى مكافحة «فقر الطاقة» للوصول إلى عالم آمن، محذرا من أن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى تدهور الوضع الاقتصادي في العالم، وتحميل الاقتصاديات الهشة للبلدان الفقيرة أعباء ثقيلة، ستنعكس سلبا على تنمية اقتصادات هذه البلدان.

إلا أن هذا الملف لم يحظ بالاهتمام الذي كان متوقعا مع بداية تولي روسيا لرئاسة دورة الثماني الكبار، وهو ما يعكس عدم توصل الأطراف لاتفاق نهائي حول عدد من قضايا الخلاف الخاصة بالغاز وشبكات نقل النفط والغاز، مما يعني أن اطراف الثماني الكبار مازالت تتمسك بمواقفها. وجاءت تصريحات القادة الأوروبيين متناقضة مع رؤية بوتين لأمن الطاقة العالمي، حيث تطالب أوروبا بحرية شبكات نقل الغاز والنفط لتوفير ظروف أفضل للاستثمارات ولضمان حصول أوروبا على احتياجاتها.

ولعل هذا الوضع كان الدافع الأساسي لتحرك موسكو نحو الدول المنتجة للغاز، حيث وقعت روسيا عدة عقود استثمار مع الشركة الوطنية الجزائرية(سوناطراك)باستثمار حقول الغاز الجزائرية، وقد وقعت شركتا غازبروم وسوناطراك مذكرة نوايا تحدد أسس التعاون بين مصدري الغاز الطبيعي المذكورين إلى أوروبا.

ووفق الاتفاقات الموقعة ستحصل «غازبروم» على حصتها في أنبوب الغاز «جالسي» الذي سيمر جزئيا عبر قاع البحر المتوسط ومن خلال أراضي جزيرة سردينيا الذي يجري مده من حقول الغاز الجزائرية إلى إيطاليا. كما لا يستبعد إمكانية انضام الشركة الروسية إلى كونسورتيوم سيتولى مد أنبوب الغاز «ميدجاز» من الجزائر إلى إسبانيا وقد أثار هذا الاتفاق قلق المستوردين الأوروبيين، بأن الجزائر تمتلك سابع أكبر احتياطيات من الغاز في العالم يقدر بحوالي 4600 مليار متر مكعب، وبلغ إنتاج الجزائر خلال العام الماضي أكثر من 87 مليار متر مكعب، تم تصدير 76% منه.

حيث حصلت ايطاليا منها على نحو 61 مليار متر مكعب من الغاز 69. 5% من إنتاج الجزائر. حيث دعا رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي الذي تولى رئاسة المفوضية الأوروبية مؤخرا إلى الإسراع لبلورة سياسة موحدة للاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة تهدف إلى تحقيق الاستقلال في هذا المجال، كما أعلن ناطق رسمي باسم اللجنة الأوروبية عن ضرورة استيضاح الآثار الناجمة عن هذه الاتفاقية الموقعة بين أكبر مصدري الغاز الطبيعي إلى أوروبا بالنسبة إلى اقتصاد الاتحاد الأوروبي والسوق الداخلية للطاقة في دول الاتحاد الأوروبي. وذلك باعتبار الغاز الروسي والجزائري يشكلان أكثر من ثلثي الواردات الأوروبية من الغاز الطبيعي.

وطالب وزير التنمية الاقتصادية الإيطالي بييرلويدجي بيرساني مفوض الطاقة الأوروبي اندريس بييبالجس بحماية مصالح المستهلكين من الاتفاق بين شركة الغاز الروسية «غاز بروم» والشركة الوطنية الجزائرية (سوناطراك)، اللتين تسيطران على ما يقارب نصف أسواق الغاز الأوروبية، باعتبار أن هذا الاتفاق قد يؤثر على أسعار بيع الغاز إلى البلدان الأوروبية.

وكانت جريدة «فايننشيال تايمز» قد نشرت تقريرا أعده خبراء اقتصاديون في الناتو منذ عدة شهور، حذر مما يسميه ب«أوبك الغازية»، ويعتقد الخبراء أنها ستضم الجزائر وقطر وليبيا وروسيا وبلدان آسيا الوسطى وإيران، ولم يستبعد انضمام كل من موريتانيا ومالي وبعض بلدان إفريقيا الوسطى في مرحلة لاحقة.

ومع ذلك لم يلق اقتراح الزعيم الإيراني حتى الآن أي رد فعل من جانب السلطات الروسية العليا، لأن أي رد واضح ومحدد من جانب الكرملين سوف يترك أثرا مباشرا في ميزان القوى الجيوسياسي.

ويمكن القول إن موسكو لاترغب في إثارة قلق أوروبا، التي مازالت تعتقد أن روسيا تحاول استخدام الطاقة لتحقيق أغراضها السياسية، متجاهلة أن موسكو لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها الاقتصادية في إطار سياسة السوق الحر ومنطق العرض والطلب. بالإضافة لتنامي قناعة في الأوساط السياسية الروسية تعتبر أن المقترح الإيراني لا يستهدف المشروع المقترح بقدر ما يسعى لاستقطاب الدعم الروسي لطهران في معركتها حول البرنامج النووي وحق ايران في استخدام التقنيات النووية في الأغراض السلمية، خاصة في ظل التهديدات الأميركية بتوجيه ضربة عسكرية لإيران.

والجانب الأكثر أهمية في تريث موسكو تجاه المقترح الإيراني هو أنها لم تصغ استراتيجية محددة إزاء مبدأ تحصيص إنتاج الغاز الذي سيتبع في حال تشكيل اتحاد منتجي الغاز، باعتبار أن إنتاج الغاز في روسيا يرتبط بقدرات كامنة والطلب الذي ينمو بشكل سريع داخل البلد وخارجه. أضف إلى ذلك أن شركة «غازبروم» تتقيد بعقود التصدير الطويلة الأمد التي تتحدد بها أهدافها الإنتاجية الأساسية.

ومما لاشك فيه أنه بالرغم من أن تأسيس احتكار مع إيران والجزائر سيكون تحديا صريحا للغرب من قبل روسيا، الا أنه مشروع قابل للتحقيق، وسيحقق عائدات مجزية على المشاركين فيه. ولعل هذا هو السبب في اتفاق كبريات الدول المنتجة والمصدرة للغاز على عقد لقاء في قطر خلال ابريل القادم، لبحث سبل التنسيق والتعاون، ومشروع تشكيل أطر اتفاق منتجي الغاز.

ويعني ذلك أن تصريحات بوتين التي نفى فيها نوايا روسيا تشكيل تكتل يجمع البلدان المصدرة للغاز، وتصريحات المسؤولين الروس التي تعارض إنشاء «أوبك الغاز»، ليست أكثر من محاولات لتهدئة الأوروبيين، خاصة بعد تصريحات الناطق باسم المفوض الأوروبي للطاقة التي اعتبرت أن تشكيل تكتل يجمع البلدان المصدرة للغاز لن يفيد المستهلكين والمصدرين على السواء لأن من شأن ذلك أن يزعزع استقرار السوق. اذ لابد من الأخذ بعين الاعتبار ما عبر عنه أغلبية الخبراء الروس من تقييم إيجابي لمشروع إنشاء المنظمة الخاصة بمنتجي الغاز. حيث أكد ألكسي غروموف من معهد الأبحاث الخاصة بالثروات الطبيعية ضرورة أن تركز «أوبك الغاز» على تنظيم تصدير الغاز وتوسيع شبكة أنابيب الغاز في جميع البلدان الأعضاء.

مركز دراسات الطاقة ــ روسيا