يعاني عالمنا الذي نعيش فيه من اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية الشيء الكثير، ويكفي أن نعلم بأن ثلاثة مليارات إنسان من أصل ستة مليارات يعيش الواحد منهم بأقل من دولارين في اليوم، وأكثر من مليار شخص يعيش الواحد منهم بدولار واحد فقط، وأن 50 دولة اليوم هي أفقر حالاً مما كانت عليه عام 1990.
وعالمنا العربي مليء بالإحصائيات التي تدمع لها العين ويندى لها الجبين وخصوصاً تلك المتعلقة بالفقر والصحة والتعليم، وفي كل مرة تطلق فيها إحدى الدول أو المؤسسات العربية نداء إغاثة لنكبة ما أو أزمة في أحد أصقاع الوطن العربي، تهب بعض الحكومات العربية لتقديم مساعدات مادية لإغاثة المنكوبين، وأحياناً يشترك الأفراد أيضاً في تقديم المساعدات التي تنأى بنفسها عن مفهوم التنمية البشرية.
فما يقدم لا يعدو كونه غذاءً ودواءً لا يقارعان في كثير من الأحيان حجم الأزمة التي تعصف بالحرث والنسل، وما أن يصلا إلى الأرض المنكوبة حتى تطغى عليهما عمليات السرقة والرشاوى من بعض القائمين على توزيعهما على المحتاجين، لتتحول ساحة النكبة إلى ساحة معركة أخرى تجسد أبشع ما في الإنسانية من نقائص وعلل.
لهذه الأسباب وغيرها لا تزال الأزمات والنكبات تعصف بالعالم العربي دون تحقيق تقدم ملموس، فإلى اليوم ما زال الفلسطينيون يعانون الأمرّين، مرّ الاحتلال ومرّ الحاجة، وحتى اليوم ما زال السودان يلهث وراء كل محسن ومتصدقّ لمساعدة منكوبي دارفور، ومنذ أن ولدنا وحتى اليوم وأطفال الصومال يعيشون مجاعة حتى أصبحوا مضرباً للمثل في هذا المجال... كل ذلك لأننا نقدّم لهم «صدقة» ونحسن إليهم بما يمليه عليه ضميرنا الذي لولا الوازع الديني لما تحرك قيد أنملة.
قبل عدة سنوات أطلق الرئيس السابق للولايات المتحدة بل كلينتون «مبادرة كلينتون العالمية» التي تندرج تحت مؤسسة كلينتون التي تضم بدورها مكتبة ضخمة ومتحفاً وكلية للدراسات الحكومية وغيرها من الأنشطة التي يسعى كلينتون من خلالها إلى جعل العالم مكاناً أفضل للعيش كما يقول.
وتقوم فكرة المبادرة على دعوة القادة والزعماء والمفكرين ورجال الأعمال البارزين في العالم للاجتماع مرة في العام في نيويورك لمناقشة قضايا تتربع على سلم أولويات الإنسانية، كالفقر وتغير المناخ والصراع الديني وحوكمة الشركات وغيرها من القضايا، ولكن ما يميز هذه اللقاءات أنها لا تتحدث عن هذه المشكلات وتضع يدها على الجرح فقط، فهي تحمل في كل عام مشاريع ومبادرات لمعالجة هذه الجروح.
حيث تسعى المبادرة إلى التوفيق بين أصحاب الأفكار المبدعة لحل بعض المشاكل العالمية وبين شركات القطاع الخاص والأفراد الراغبين في الاستثمار في هذه المبادرة، وإذا لقيت الفكرة قبولاً من كلا الطرفين يتم توقيع عقد ملزم لهما ويسمى «التزاماً» ثم يعلن عن هذا الالتزام في المؤتمر السنوي ويتم وضع خطة عمل له وبرنامج لمتابعة تقدم الطرفين في تنفيذ ما التزما به، وفي السنة التي تليها يتم عرض النتائج على المجتمعين لإيقاد شعلة الحماس في نفوسهم ولاستنهاض هممهم تجاه المجتمع الدولي والإنسانية جمعاء.
ولا تقتصر الالتزامات على شركات القطاع الخاص، بل الكل مدعو للمساهمة بما يستطيع لتخفيف معاناة البشرية، فبالرغم من كون القطاع الخاص يستحوذ على نسبة 30% من مجموع الالتزامات فإن الأفراد استحوذوا على نسبة 12% والمؤسسات غير الربحية استحوذت على نسبة 10% حتى الجامعات والمعاهد التقنية ساهمت بنسبة 4%.
ومن الالتزامات الضخمة التي وقعت مؤخراً عقد وقّعه رئيس شركة «فيرجن» البريطانية ريتشارد برانسون بقيمة ثلاثة مليارات دولار للاستثمار في العشر السنوات المقبلة في بدائل للطاقة تكون أقل ضررا على البيئة، وشركة «سيمنس» التزمت باستثمار 10 مليارات دولار لإيجاد تكنولوجيا طبية جديدة لتوفير مياه نظيفة للعيادات الطبية في الصين، حيث تعاني الصين من مشكلة تلوث المياه، ومن نافلة القول أن نذكر بأن أحد أكبر أنهار الصين يبلغ طوله أكثر من ألف كيلومتر يقع على ضفتيه أكثر من عشرين ألف مصنع ترمي فيه آلاف الأطنان يومياً من المخلفات السامة حتى أصبح هذا النهر العظيم عديم الفائدة حتى في غسل أواني المطبخ.
ومن الالتزامات الأخرى هو توقيع شركة «كوكا كولا» على عقد تلتزم بموجبه بالانضمام إلى مؤسسة «US EPA Green» مما سيساعدها على تخفيض استخدامها للطاقة بنسبة 2%. أما مجموعة «سيتي جروب» فقد التزمت بتخصيص 50 مليون دولار لدعم مؤسسة جرامين التابعة لبنك جرامين لصاحبه محمد يونس، حيث تقوم الفكرة على توفير قروض صغيرة للمحتاجين في الولايات المتحدة لمساعدة الفقراء على تأسيس مشاريع صغيرة تماماً كما يفعل بنك جرامين في بنغلاديش. والجدير بالذكر أن مبادرة كلينتون العالمية استطاعت خلال سنتين فقط أن توفر 500 التزام بقيمة 10 مليارات دولار.
ولا تقتصر الالتزامات على دفع الأموال فقط، ولكن قد يكون بعضها معنوياً مثلما فعل البطل الأولمبي «جوي شيك» حيث سيقود حملة مع مجموعة من أبطال أولمبيين آخرين لتوعية الناس حول العالم بالصراع الحاصل في دارفور وحثهم على تقديم المساعدات للمنكوبين هناك.
لماذا نطلب من الحكومة دوماً أن تساعدنا في كل شيء؟ ولماذا نعتقد دائماً بأن الحكومات فقط هي المعنية بالتنمية البشرية وتحسين حياة الأفراد ومساعدتهم؟ وإلى متى ستظل شركات القطاع الخاص في منأى عما يحدث حولها من كوارث وأزمات وكأنها غير معنية بالمجتمع الذي تعيش فيه وتقتات من أرضه؟ ومتى سنخرج من بوتقة الإحسان إلى الآخرين إلى رحابة التنمية البشرية المستدامة؟
باحث إماراتي
yasser.hareb@gmail.com