شهدت الآونة الأخيرة نشاطا ملحوظا لموسكو في الشرق الأوسط، وخاصة في الشهر الأخير من عام 2006 والأول من عام 2007، هذا النشاط الذي انعكس بشكل واضح على سياسة واشنطن التي عادت تولي اهتماما ملحوظا للجنة الرباعية الدولية التي تضم واشنطن وموسكو والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهي اللجنة التي أهملتها واشنطن تماما منذ دخول قواتها في العراق، وقررت إسرائيل منذ البداية تهميش دور اللجنة الرباعية بسبب وجود روسيا فيها .
وقد شهد عام 2006 إقبالا كبيرا على موسكو ربما كانت بدايته في شهر مارس عندما دعت روسيا ممثلي منظمة حماس الفلسطينية لزيارتها في وقت قررت فيه معظم دول العالم مقاطعتهم، كما زارت وزيرة الخارجية الإسرائيلية موسكو في يونيو الماضي، وزارها رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت في أكتوبر الماضي .
وكانت الحرب الإسرائيلية في لبنان في يوليو الماضي بداية للتواجد الفعال والملحوظ لروسيا في الشرق الأوسط، ومع تصاعد الأحداث السياسية الداخلية في لبنان في ديسمبر الماضي قام رئيس الحكومة اللبنانية بزيارة لموسكو أثارت دهشة الكثيرين، خاصة أنها جاءت بعد أيام قليلة من نزول المعارضة اللبنانية للشارع ومحاصرتها للحكومة ومطالبتها باستقالتها، وفي نفس توقيت تواجد السنيورة في موسكو كانت طائرة الرئيس السوري بشار الأسد تستعد للتوجه لروسيا في زيارة رسمية بدأت بعد ساعات قليلة من مغادرة السنيورة لموسكو، وتوافق ذلك مع وجود ممثل للخارجية الإسرائيلية في موسكو أجرى لقاءات مع الخارجية الروسية لم يعلن عن تفاصيلها.
ولم يكد ينقضي عام 2006 حتى عاد ت موسكو تستقبل وفودا من الشرق الأوسط حيث وصل إليها النائب اللبناني سعد الحريري في ثاني زيارة له لروسيا في أقل من عام واحد والذي توافق وصوله لموسكو مع وصول أمين مجلس الأمن القومي السعودي الأمير بندر بن سلطان، هذا في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الروسي بوتين للقيام بأول زيارة له للمملكة العربية السعودية في منتصف فبراير الجاري ضمن جولة تشمل أيضا الأردن وقطر.
هذا الاهتمام الروسي بالشرق الأوسط واهتمام بلدان المنطقة بروسيا يعكس حقيقة وواقعا ملموسا وهو أن سياسات واشنطن في المنطقة أثبتت فشلها على مختلف الأصعدة ولم تعد تصلح لانتشال المنطقة من أزماتها، والتصعيد المستمر للأحداث في العراق ولبنان وفلسطين يعكس بوضوح هذا الفشل، كما يعكس أيضا عدم مقدرة واشنطن على ممارسة ضغوط فعالة على إسرائيل بعد أن فتحت لها إدارة بوش الابن الباب على مصراعيه لتفعل ما تشاء مع الفلسطينيين واللبنانيين، وعلى ما يبدو أن إسرائيل استغلت هذه الظروف جيدا وحققت أشياء كثيرة على حساب الفلسطينيين في عهد إدارة بوش، وهي تستعد من الآن لخوض المعركة الانتخابية على الرئاسة في الولايات المتحدة في عام 2008 كلاعب رئيسي فيها بمساعدة اللوبي اليهودي هناك، وسنشاهد تسابق المرشحين على الرئاسة الأميركية على تقديم الوعود لإسرائيل .
أما روسيا فقد أصبحت لاعبا رئيسيا في المنطقة بحكم علاقاتها بإيران وسوريا، هذه العلاقات التي بسببها نجد تسابق السياسيين اللبنانيين وأيضا الإسرائيليين على زيارة موسكو والإلحاح عليها لممارسة ضغوط على دمشق وطهران لعدم دعم المقاومتين اللبنانية والفلسطينية .
ولكن لروسيا مصالح أخرى كبيرة في المنطقة بخلاف النزاعات الساخنة فيها والتهديد النووي الإيراني، حيث تتطلع موسكو الآن لفرض وجودها القوي على أسواق الطاقة العالمية، وهو الأمر الذي يحتاج منها توطيد علاقاتها مع عمالقة هذه الأسواق مثل المملكة العربية السعودية في مجال النفط، وإيران والجزائر وقطر في مجال الغاز الطبيعي.
وربما لهذا السبب تأتي الزيارة الهامة للرئيس بوتين للسعودية، وهي أول زيارة لرئيس روسي لهذا البلد العربي الكبير والهام، وقد سبق للعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز أن زار روسيا في عام 2003 عندما كان وليا للعهد، وهي الزيارة الهامة والتاريخية التي فتحت آفاقا كبيرة للعلاقات بين البلدين وأثمرت عن تنسيق كبير بين منظمة أوبك للدول المنتجة للنفط وروسيا كأكبر منتج للنفط خارج أوبك .
كما تشمل زيارة الرئيس بوتين للمنطقة دولة قطر المنتج الهام للغاز الطبيعي، والتي زار وزير خارجيتها موسكو مؤخرا وناقش مع المسؤولين عن قطاع الغاز الروسي التنسيق بين البلدين في أسواق الغاز العالمية، هذا التنسيق الذي يصيب الأوروبيين بصداع حاد في هذه الأيام بعد تردد الشائعات حول تأسيس منظمة جديدة للدول الرئيسية المنتجة للغاز على غرار منظمة أوبك النفطية، خاصة بعد التنسيق الكامل بين روسيا والجزائر في هذا الشأن باعتبارهما معا يحتكران أكثر من 45% من واردات أوروبا من الغاز، واستعداد إيران التام وحتى المتلهف لتأسيس منظمة للدول المنتجة للغاز .
روسيا تعود للشرق الأوسط ولكن بسياسات أخرى تختلف تماما عما كان في زمن الاتحاد السوفييتي، فلا أيديولوجيات ولا مساعدات خيرية ولا مصالح وتحالفات إستراتيجية، بل مصالح اقتصادية بحتة مصحوبة بمصالح سياسية متوازنة لا تغلب طرفا على الأخر ولا تسعى لتأجيج الصراعات، بل تسعى لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وربما يثبت هذا ويؤكده سياسات موسكو تجاه إسرائيل، حيث تسعى موسكو لتوطيد الحوار مع إسرائيل رغم الخلافات الحادة والكثيرة بينهما، ولكن مصالح روسيا في المنطقة لا يمكن لها أن تتأتي وتحقق نتائجها المنشودة في ظل التصادم المستمر مع إسرائيل .
ومن المؤكد أن سياسات موسكو في الشرق الأوسط لن ترضي لا واشنطن ولا تل أبيب، خاصة وأن موسكو تصر على إشراك كل الأطراف في الحوار والنقاش حول جميع القضايا وعلى طاولة واحدة، وهو الأمر الذي لا تقبله واشنطن وإسرائيل سواء في لبنان أو في فلسطين، كما تصر روسيا على إشراك اللاعبين الرئيسيين في المنطقة في كافة القضايا الساخنة، وخاصة السعودية ومصر وإيران وسوريا ، وواشنطن ترفض ذلك، وقد صرح بذلك وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف صراحة عندما قال «لقد نصحنا الأميركيين بضرورة إشراك السعوديين في الحوار والاستعانة بهم فرفضوا وقالوا لا داعي لذلك ».
روسيا لا تقبل تهميش أدوار الدول الكبيرة في المنطقة، ولا ترى أي جدوى في الحوارات الثنائية التي تغلب مصالح البعض على البعض الأخر وتفتح المجالات للمساومات والابتزاز السياسي وتضيع مصالح الضعفاء، انها السياسات التي تزيد من الفتنة والانقسامات والخلافات وتصعد الأزمات في المنطقة.
جامعة سيبيريا