خلال القرن الماضي كانت أوروبا وآسيا هما القارتان اللتان شهدتا الأحداث الساخنة الجسيمة من خلال حربين عالميتين ومن خلال حروب محلية و إقليمية لا حصر لها، حصدت معظم شعوب هاتين القارتين الكثير من ويلاتها، هذا في الوقت الذي ساعد الموقع الجغرافي، شعوب الأميركيتين، على النجاة من التأثيرات المباشرة لهذه الحروب. إلا أن بعض دول الأميركيتين، وخاصة الولايات المتحدة، لم تكن بعيدة عن هذه الحروب بل كانت مساهمة ببعضها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال الشراكات التي عقدتها مع أطراف في هاتين القارتين. فقد استطاعت الولايات المتحدة من خلال هذه الشراكات أن ترسي أسسا استراتيجية ضمنت مصالحها التي شهدت توسعاً مطرداً لتشمل معظم بقاع العالم.
وتستند الدعامة الأساسية للنظام الدولي الذي رسمت الولايات المتحدة ملامحه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار المعسكر الإشتراكي وتفكك الإتحاد السوفييتي إلى ثلاث شراكات أساسية هي:
1. الشراكة مع أوروبا الغربية.
2. الشراكة مع إسرائيل.
3. الشراكة مع اليابان.
والمقصود هنا بالشراكة هو وجود تحالف فعال قادر من الناحية السياسية والعسكرية على تنفيذ أجندة الولايات المتحدة، أو قادر على تعطيل أجندة دول أخرى تتعارض مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة. و لكل من هذه الشراكات أبعاده الخاصة، فالشراكة مع أوروبا الغربية من خلال حلف الأطلسي، وهي الشراكة الأكثر أهمية، جعلت بعض دول هذه القارة في تماس تام مع دول حلف وارسو في حين احتفظت الولايات المتحدة بميزتها الجغرافية وهي البعد عن مكمن الخطر الذي يتوجس منه الغرب. وقد كان ذلك، وعلى مدى يقرب من نصف قرن، حجر الزاوية في استراتيجية الأمن الأميركية التي تتطلب وجود دول عازلة تتحمل الصدمة الأولى في حالة إندلاع المواجهة مع الإتحاد السوفييتي.
أما الشراكة مع إسرائيل فقد كان لها هدف آخر، و هو حضور عسكري فاعل في منطقة الشرق الأوسط الهامة استراتيجياً بسبب الثروة النفطية المتوافرة فيها، وبسبب موقعها الاستراتيجي، فهي تقع عند ملتقى القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا، و بسبب وجود أهم الممرات المائية التي تحتاجها التجارة الدولية، وبسبب النفوذ السوفييتي الذي امتد إلى هذه المنطقة في منتصف عقد الخمسينات من القرن المنصرم.
أما الشراكة مع اليابان فقد وفرت وجوداً عسكرياً للولايات المتحدة من خلال قواعدها العسكرية في اليابان التي تطل على شرق آسيا حيث الحدود الشرقية للإتحاد السوفييتي السابق، وحيث يستيقظ العملاق الجديد، الصين الشعبية.
وتستخدم الولايات المتحدة مصطلح «الشريك» للتخفيف من غلواء مصطلح «التابع»، فشركاء الولايات المتحدة هم في الحقيقة ليسوا غير تابعين ومنفذين لسياساتها وأجندتها، مقابل ضمان الأمن لهم من خطر، قد يكون مبالغا فيه، يتربص بهم في الشرق. أما القارة الأفريقية، فيبدو أن الولايات المتحدة لم تجد شريكاً مناسباً فيها، أو فشلت في إيجاد هذا الشريك، فاضطرت إلى الاعتماد في استراتيجيتها في تلك القارة على ما تبقى لدى حلفائها في حلف الأطلسي ( بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا ) من نفوذ في هذه القارة، نتيجة هيمنتهم الاستعمارية على ثرواتها لأمد طويل، لتطمين مصالحها ومنع تغلغل النفوذ السوفييتي.
أما بالنسبة للقارة الأميركية الجنوبية، الأكثر قرباً إلى الأراضي الأميركية حيث يوجد الكثيرون من رعايا دول هذه القارة في الأراضي الأميركية نفسها، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها تمارس مهام الشرطي فيها، دون الحاجة إلى شراكة مع أحد. فقد حرصت على اجتثاث الغرس الذي لا يروق لها في هذه القارة التي تعتبرها بمثابة حديقتها الخلفية، و قامت بغزوات مباشرة لعدة دول فيها، مثل غواتيمالا وبنما، لإسقاط أنظمة سياسية قائمة لا تطمئن واشنطن إليها، وقامت كذلك بتنفيذ عدد من الإنقلابات العسكرية لتغيير أنظمة الحكم غير المرغوب بها في عدد آخر من دولها، كما حصل في الإنقلاب الدموي الذي أطاح بالرئيس التشيلي المنتخب ديمقراطيا، سلفادور اليندي، في سبعينات القرن المنصرم. ويضم السجل الدامي لإحداث هذه القارة الكثير من التدخلات الفجة التي فرضتها الولايات المتحدة عليها.
أما الآن، وبعد تفكك المعسكر الإشتراكي و انهيار الإتحاد السوفييتي وانضمام معظم دول حلف وارسو إلى حلف الأطلسي، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام آفاق جديدة، لم تعد فيها الشراكات القائمة في السابق دعامات أساسية في بناء استراتيجيتها الخارجية، وتطمين مصالحها، فعمدت إلى إجراء تغييرات هامة في نظرتها إلى خارطة التحالفات العالمية.
فحلف الأطلسي قد تضاءل دوره بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، فلم يقم خلال تسعينات القرن المنصرم سوى بإكمال تفكيك الإتحاد اليوغسلافي إلى دول عديدة، ومن ثم القيام بفصل كوسوفو عن صربيا. وكان آخر عمل قام به هذا الحلف هو التدخل العسكري في أفغانستان حيث لا تزال قواته هناك بسبب عدم استقرار الوضع فيه. وقد فشلت الولايات المتحدة في جر هذا الحلف للإشتراك معها في الحملة العسكرية على العراق.
أبرز ما يميز الشراكة الأميركية الأوروبية هو التقارب الثقافي، فالولايات المتحدة قد وُلدت ونشأت في الرحم الأوروبي ونمت وتصلب عودها بفعل هجرة العقول الأوروبية التي غادرت بلدانها أبان صعود النازية إلى سدة الحكم في ألمانيا في مطلع ثلاثينات القرن المنصرم و نشوب الحرب العالمية الثانية. فأوروبا لها تاريخها العريق وحضارتها هي التي امتدت إلى الولايات المتحدة وليس العكس. ورغم هذا التقارب الثقافي لا نستطيع القول بأن لدى الأميركيين و الأوروبيين رؤية موحدة للعالم.
إذ لم تعد الشراكة مع أوروبا في حلف الأطلسي هي الأكثر أهمية لدى الولايات المتحدة كما كان الحال في السابق، سيما وإن معظم الدول الأوروبية قد اختارت لنفسها طريقاً لا بد أن يقودها في المستقبل إلى فك عرى التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. فالإتحاد الأوروبي الذي أصبح يضم 27 دولة أوروبية، قد بدأ يبرز في الساحة العالمية كقوة اقتصادية وسياسية لا يستهان بما سيكون له من دور سياسي واقتصادي هام يسهم، بشكل فعال، في رسم معالم مستقبل العالم على الأمد البعيد.
الجديد في خارطة التحالفات أو الشراكات التي تقيمها الولايات المتحدة هو ما طرحته إدارة الرئيس الأميركي الحالي بوش، الشراكة الشرق أوسطية، كبديل للشراكة مع إسرائيل بعد دمج إسرائيل بمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة على لسان وزير خارجيتها السابق كولن باول عام 2004، وهو مشروع استراتيجي على درجة كبيرة من الأهمية في نظر الساسة الأميركان.
فإذا كانت الاستراتيجية الأميركية أبان حقبة الحرب الباردة هو احتواء الإتحاد السوفييتي، فالاستراتيجية الأميركية، ما بعد انهياره، تستند إلى منع ظهور أية قوة عظمى أخرى في العالم، حتى لو كانت هذه القوة حليفة للولايات المتحدة في الوقت الحاضر. وهذا سيتحقق، من وجهة النظر الأميركية، عن طريق الهيمنة التامة على مصادر الطاقة في العالم، وهو النفط حيث منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر غنى ووفرة فيه.
مشروع الشراكة الشرق أوسطية هو في الحقيقة شعارات طنانة أكثر مما هو قدرة على الصيرورة، فهنالك بون شاسع في الجذور التاريخية والثقافية بين الشعب الأميركي وشعوب هذه المنطقة، وهنالك تباين كبير في المصالح. كما أن دول هذه المنطقة غير راغبة في تقبل هكذا شراكة، فتركيا مثلاً، وهي واحدة من دول الشرق الأوسط المهمة، ترى نفسها أقرب في توجهاتها ومصالحها وسياساتها إلى الإتحاد الأوربي من قربها إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير.
كما أن إيران وهي كذلك إحدى الدول المهمة في المنطقة لا تجد لنفسها موقعاً في خارطة هذا الشرق الأوسط. وتضع دولاً أخرى في المنطقة الكثير من علامات الإستفهام حول حقيقة الأهداف الأميركية، خاصة بعد أن اتخذت الولايات المتحدة مدخلاً سيئاً لمشروعها، وهو احتلال العراق، ووصول الأوضاع فيه إلى ما وصلت إليه من فوضى عارمة وتفكك ينذر بعواقب وخيمة تتجاوز الحدود العراقية.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae