عندما نشرت الزميلة «الإمارات اليوم» حادثة التحرشات الجنسية التي يتعرض لها أطفال صغار في واحدة من المدارس الخاصة في إحدى الإمارات، شعرت بأن ردة الفعل الإعلامية واللقاءات وبعض البرامج التي جاءت للتعقيب على الحادثة، أقول شعرت بأن هناك حديثاً يشبه الاكتشاف المفاجئ غير المتوقع، مبالغة في الاستغراب والاستهجان وكأن الأمر يحدث اليوم.
لا أريد أن أقلل من بشاعة السلوك وانحرافيته، ولا أريد أن يستقبل بشكل طبيعي من قبل المجتمع لأنه من الأساس سلوك شاذ ومعيب ومخيف، لا أقصد التقليل من جهد الزملاء الصحافيين في الكشف عن الحادثة ونشرها، بل هم يستحقون الشكر على شجاعة النشر ولكن لنعترف جميعاً بأن هذه الممارسات معروفة ومنتشرة في مدارس البنين.
وبعض مدارس البنات ومنذ سنوات بل وعقود، لكن لم يكن أحد يجرؤ على النشر، وأحياناً على الحديث نظراً لحساسية القضية وتماسها بشكل مباشر مع سمعة الطلاب والطالبات والمدارس وسط مجتمع محافظ جداً!.
لنتفق أولاً، على أن هذه القضية من أكثر القضايا حساسية في المجتمعات المحافظة، حساسية تجعلها ضمن المحرمات الاجتماعية، وللأسف فإن هذا التصنيف جعل المجتمع المعني ـ أي المدارس وأهل التربية ـ يتعامل معها بتحفظ وسرية وتكتم وأحياناً بتجاهل أو لنقل عدم ايلاء الأمر الأهمية المطلوبة وبالتالي المعالجة الضرورية، ما أدى إلى تفاقم الأمر وانتشاره وفرز ظواهر أخرى نتجت عنه نراها في سلوك الطلاب والطالبات.
لنتفق أيضاً على أن هناك مؤثرات تحفر في سلوك النشء وتوجه سلوكهم «الجنسي» منذ الصغر، ولعل العلاقة مع الوالدين، وقيام الوالدين بدورهما التربوي بشكل كبير له علاقة قصوى إما بتجنيب الصغار مخاطر هذا السلوك فيما لو تعرضوا له من قبل أقرانهم أو ممن يكبرهم، أو العكس يؤدي في ظل عدم وجود رعاية وتوجيه ومتابعة أسرية إلى غرق الصغار في علاقات مشبوهة تحت ضغط الخوف والتهديد والإغراء وخشية العقاب والفضيحة وبالتالي يدفعون بعد ذلك ثمناً غالياً من تكوينهم الشخصي والنفسي مستقبلاً!
لا نريد أن ننهي الموضوع دون الإشارة إلى دور الإعلام، فأنا أشاهد صغاراً يدمنون مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة التي لم تعد ببراءة «توم وجيري»، صارت هناك رسوم متحركة تتحدث عن علاقات جنسية وعاطفية بين أبطال القصص، وتظهر سلوكاً عاطفياً وعلاقات وقبلات ونساء شبه عاريات و.... فيما يسمى بأفلام الخيال العلمي والمغامرات..
والطفل يشاهد وتختزن ذاكرته وتكوينه العاطفي الكثير من هذه المشاهد المليئة بالأسرار والألغاز.. ثم فيما بعد يدفعه الفضول ورغبة الاكتشاف إلى المعرفة والعلم بحقيقة الأمور وهكذا تبدأ خيوط القصص العجيبة التي تحدث في المدارس.
يحتاج الأمر إلى أن يقف الجميع عند مسؤولياتهم التربوية حفاظاً على جيل نريده خالياً من العقد والانحرافات!