ثمة نبرة صحية ـ على الأقل حتى الآن ـ رصدناها بين سطور «البيان» الذي بعث به إلى الكونغرس الجنرال ويليام فالون، القائد الجديد للقوات الأميركية في الشرق الأوسط: إنها نبرة الاعتراف بأخطاء في حساب الأوضاع الاقتصادية والسياسية في العراق. وبعدها أو كنتيجة لها أخطاء في حساب الموقف العسكري، الأمر الذي أدى إلى ورطة أميركا في «المستنقع» العراقي من جهة والى تحويل هذا البلد العربي العريق إلى ما أصبح يعرف في أدبيات السياسة الأميركية بأنه «حقول القتل» من جهة أخرى.

بل أن مشكلة ـ مأساة ـ العراق لم تعد لتقتصر على انعدام الأمن الوطني وتعريض حياة السكان للخطر.. لقد اتسع نطاق المشكلة ليشمل أكبر عمليات هجرة ونزوح في تاريخ منطقة المشرق العربي منذ مأساة فلسطين في عام 1948.. وهكذا أعلنت مصادر دولية وأميركية معنية بقضايا اللجوء أن أكثر من نصف مليون عراقي فروا من ديارهم في العاصمة العراقية خلال العام الماضي .

وأن أكثر من مليون نسمة آخرين قد يضطرون إلى النزوح خلال الأشهر الستة الأولى فقط من العام الحالي. إنه حراك ديموغرافي لم يسبق له مثيل ولكنه حراك مأساوي بكل معنى من معاني المعاناة البشرية.. حراك يتجسد في سيل (أكسودس) من هجرات اللجوء إلى خارج الحدود (أساساً إلى سوريا.. إيران.. الأردن) .

فيما يتمثل أيضاً في ظاهرة تعرّفها أدبيات الأمم المتحدة بأنها حالة التشرد الداخلي حيث يضطر فيها البشر إلى الفرار طلباً للنجاة أو التماساً للأمن من موقع إلى آخر داخل حدود الوطن.. أو قد يرغمون على ذلك بفعل قرارات سلطوية، شريرة في جوهرها، تهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي لذلك الوطن من أجل تحقيق أهداف ومصالح ـ أجندات خاصة طائفية أو عرقية أو حتى اقتصادية وكلها تصب بالسلب ضد مصالح الوطن ومواطنيه.

مع هذا كله فقد جاءت تصريحات الأميرال فالون أقرب إلى الاعترافات التي تكتسب قدراً من المصداقية، بحكم تسليمها بما رآه الرجل من أخطاء بل وتزيد هذه المصداقية لأنها صادرة عن أهم قائد مستجد على منظومة القيادة المركزية الأميركية بالشرق الأوسط..

فيما تعيد أيضاً إلى الذاكرة المعاصرة ما سبق وحذّر منه سياسي أميركي كبير راحل هو السيناتور ويليام فولبرايت الذي اكتسب خبراته المتراكمة بحكم توليه لسنوات طويلة رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي ويومها ارتفع صوت فولبرايت وسط ملابسات مستنقع فيتنام.. وهو الأقرب إلى ورطة العراق فقال:

- إن أسوأ ما يصيب أميركا هو غرور القوة.

على مستوى أوسع نطاقاً من حدود الولايات المتحدة يأتي تحذير آخر.. من سياسي مخضرم بدوره.. روسي هذه المرة هو غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفييتي الذي كان (الاتحاد وليس الرجل). فمع أول أيام فبراير الحالي نشر غورباتشوف مقالاً في الجارديان ويكلي البريطانية أورد فيه بدوره تحذيراً قال فيه:

- إن غرور (أو عنجهية) العسكرية الأميركية أدى إلى نشوب أزمة ما برحت تواجه العالم بأسره.

وفي سطور هذا المقال المهم استطرد الرئيس الروسي الأسبق قائلاً:

- هناك خطر يهدد بانقسام جديد في العالم.. بمعنى «نشوب» حرب باردة من نوع جديد.. وهذا الخطر بات ماثلاً بسبب تجاهل أميركا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وعدم مبالاتها بآراء البلدان الأخرى بما في ذلك حلفاؤها وشركاؤها بكل ما نجم عن ذلك من كوارث فادحة.

ونلاحظ أن غورباتشوف لم يقصر نظرته أو تحذيراته على أبعاد الموقف الملتهب حالياً في العراق، ولا على التصرفات الانفرادية للإدارة الأميركية الحالية لقد عمد في مقاله إلى توسيع المنظور الذي يطل منه على أحوال عالمنا فقال أيضاً:

- إن من عواقب هذه السياسات الانفرادية (الأميركية) .

وقد تجسدت في إدعاءات احتكار القيادة أو الانفراد بزعامة العالم ـ ما نراه من عجز معظم المنظمات الدولية عن التصدي بصورة فعالة وناجزة للتحديات العالمية التي تجلت وما برحت ماثلة وخطيرة مع سنوات القرن الحالي.. ومنها مثلاً الأزمة في البيئة (الكونية) ومشكلة الفقر في أنحاء الكرة الأرضية وما تبع ذلك من غائلة الإرهاب الدولي وانتشار الصراعات ـ النزاعات الاثنية والدينية وفضلاً عن مشكلات وشواغل مازالت قادمة على الطريق.

صحيح ـ يضيف غورباتشوف ـ أن الأميركان تنبهوا إلى الآثار السلبية الناجمة عن أخطاء السياسة الخارجية للإدارة الراهنة، ومن ثم عمدوا إلى التصويت لمنافسيها من الحزب الديمقراطي.. لكن يظل الأمر بحاجة إلى تغيير تصحيحي شامل في سياسات هذه القوة العظمى، وخاصة أن قيادة البيت الأبيض مازالت ترفض هذا التغيير بل إنها تعطي للعالم الانطباع بأنها مازالت تمسك بمقاليد الأمور.. وتلك وصفة كفيلة بأن تفضي إلى كارثة أفدح وأشد خطراً.

من ناحية أخرى يؤكد مقال «الجارديان» أن مازال في الوقت متسع، مهما كان ضئيلاً أو محدوداً، بمعنى أن لم يفت بعد أوان الإصلاح.. وخاصة حين نطرح السؤال الجوهري:

ـ ماذا يتعين على الإدارة الأميركية أن تفعل الآن؟

وهنا يجيب ميخائيل غورباتشوف قائلاً:

- على هذه الإدارة ومعها الكونجرس أن يبدأوا بمنطقة الشرق الأوسط.. ولن يقتصر الأمر على ضرورة انسحاب أميركا من العراق بل يستوجب الأمر أيضاً معاودة اتباع سياسة بنّاءة في المنطقة ومن أهم بنودها استئناف عملية السلام في فلسطين، فضلاً عن إجراء حوار جاد مع جيران العراق (يقصد أطرافاً مثل سوريا وإيران وربما أقطار أخرى).

ذلك لأن المطلوب حالياً - في رأي الرئيس السوفييتي السابق - ليس ترسانة من الوجود الأميركي العسكري ولا إجراءات تجسد التدخل الأميركي في شؤون الآخرين.. بل المطلوب، كما يؤكد الرجل، هو ضبط النفس وهو إبداء الاستعداد لحل المشكلات المطروحة ولكن بالسبل والوسائل السياسية.

والمعنى واضح من سطور غورباتشوف. هذا والمعنى يقول بغير مواربة:

- ان التسعينات تختلف عن السنوات الأوائل من القرن الواحد والعشرين.. فمع آخر عقود القرن الماضي كانت الصورة مختلفة بقدر ما كانت خداعة بمعنى أن انطوت على كثير من إغراءات الغواية أمام الساسة الأميركيين. ومع ذلك العقد الختامي كان قد سقط حائط برلين وسقطت تحت ركامه مواريث شتى ليس أولها النظرية الشيوعية والاتحاد السوفييتي..

يومها نادى الرئيس بوش ـ الأب بنظام دولي جديد وكان في وجدانه بداهة نظام تتسيد فيه أميركا قوة عظمى منفردة وقطباً وحيداً على مقاليد العالم. لكن العقد الأول من القرن الجديد جاء ليبدد هذه الغواية أو الغشاوة.. ومرة أخرى يقول غورباتشوف في هذا السياق:

- أصبح العالم أوثق تواصلاً وأعمق تكافلاً.. وأفسح الطريق أمام ظهور عمالقة جدد دخلوا إلى الساحة الكونية ومنهم الصين والهند والبرازيل وأضحى من المتعين الإصغاء إلى آرائهم التي لم يعد من المجدي تجاهلها.. فما بالك بأوروبا التي لا يخفى على أي مراقب أنها توحد صفوفها في الوقت الحالي ومن المحقق أن ينمو نفوذها الاقتصادي والسياسي مع مرور الأيام.

ـ ماذا إذن عن روسيا التي ينتمي إليها ميخائيل غورباتشوف؟

الرجل لا يخفي مدى جسامة الصعوبات التي كابدتها خلال عقد التسعينات، أي في أعقاب سقوط وانتهاء المشروع السوفييتي.. ولكنه يضيف موضحاً أن روسيا عاكفة حالياً على تعلم وسائل جديدة وبناء مؤسسات ديمقراطية.. وهي تمضي على طريق محفوف بالأشواك ولكنها في كلمة واحدة لن تعود يوما إلى الوراء.. بل إنها في رأيه قطعت بالفعل أصعب المراحل وبات الطريق أمامها مفتوحاً لكي تصبح روسيا من جديد لاعباً قوياً ومتمرساً ومؤثراً ويحسب له حساب على المسرح الدولي.

المهم أن يستعيد الغرب (أميركا بالذات) توازنه ورصانته في مقاربة المشكلات.. أن ينسى الفرقاء في عصر العولمة ما يصفه غورباتشوف بأنه «عقدة الظافر المنتصر» بعد أن أثبتت الأحداث.. ما بين أفغانستان والعراق وغيرهما بأن رقعة الشطرنج الدولية لا تَعِد بصداقات دائمة ولا عداوات دائمة ولا بانتصارات أو فتوحات دائمة.. إن أحجار الشطرنج العالمية تغير مواقعها.. ولا ضمان لاستمرار هذا الطرف أو ذاك، لا في موقع الغالب ولا في مركز المغلوب.

أخيراً ماذا تقول رؤية ميخائيل غورباتشوف عن عالم الإسلام والمسلمين؟ إن الرجل كان في موقع المسؤولية الأولى من الكرملين السوفييتي فيما كان الديناصور السياسي السوفييتي وقتها يضم شعوباً وكيانات لها تراث تاريخي وعقائدي عريق من عقيدة الإسلام.

إن غورباتشوف يختتم رؤيته بعبارات تقول بالحرف الواحد:

- برغم أن العالم الإسلامي يلاقي صعوبات في التكيّف إزاء الحقائق المستجدة (في عالمنا) إلا أن تكيّفه جدير بأن يتواصل كما أن هذه الحضارة (الإسلامية) العظيمة تصر على ضرورة أن يتعامل معها الآخرون على أساس من الاحترام.

كاتب مصري