ما وصل إليه الحال بين فصائل الشعب الفلسطيني يجعلنا نقر بحقيقة واقعة مفادها أن هذا الجيل من القادة والسياسيين الفلسطينيين بجميع الفصائل والاتجاهات العلنية منها والسرية لم يعد يصلح لحمل لواء هذه القضية التي ما زالت وستظل قضية العرب جميعا.
هذا الجيل ولد ونما وترعرع في أحضان الكيان الصهيوني المحتل والتبست في عقله ووجدانه قضية الهوية والانتماء فلم يعد يميز على أي أرض يعيش، على أرض فلسطين أم على أرض إسرائيل، هذا الجيل من القادة والسياسيين حمل الكثيرون منه هوية الاحتلال وجنسيته وحمل أدباؤه وشعراؤه شعارات الكيان الصهيوني المحتل وأعلامه في المحافل الدولية فمنحوا هذا الكيان المصطنع مصداقية ديمقراطية هو أبعد ما يكون عنها .
وساهموا في إسقاط تهمة العنصرية التي قام على أساسها، هذا الجيل عمل الكثيرون منه في مؤسسات الكيان المحتل ونفعوا واستنفعوا منه وارتبطوا معه بعلاقات ومصالح واسعة النطاق، هذا الجيل الذي فقد الذاكرة والرؤية المستقبلية معا فلم يعد يفكر في الأرض والوطن والشعب المشرد واللاجئ في مختلف بلدان العالم، ولم يعد يتذكر الأسرى والشهداء وأبناءهم وعائلاتهم.
لقد رفض العرب جميعا كامب ديفيد (السادات ـ بيجن)، لكن هذا الجيل الذي ادعى رفضها هو في الواقع لم يرفضها بل تعامل معها وذهب يطورها في مدريد وأوسلو وجنيف وغيرها، وأصبحت اللاءات العربية الثلاث الشهيرة (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل) بالنسبة لهذا الجيل من قادة الفصائل والاتجاهات الفلسطينية ليست مجرد ذكرى وماضٍ فحسب، بل أصبحت محل رفض وسخرية من الكثيرين منهم، وحتى من يدعي منهم تمسكه بها أو ببعضها حتى الآن إنما يفعل ذلك لا عن قناعة بهذه اللاءات بل كوسيلة للمزايدات السياسية وممارسة ضغوط.
وكسب أوراق في التفاوض مع الآخرين، ويدعي أنه يمارس تكتيكات وقتية من أجل مصالح الشعب الفلسطيني ومن أجل أهداف مستقبلية في حين أنه يمارس ما هو مرسوم له من أدوار داخل إطار محدد يقوم على الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني المحتل سواء اعترف به هذا الفصيل أو لم يعترف، وسواء قبل التفاوض مع الصهاينة أم لم يقبل.
هذا الجيل بكل فصائله (وبلا استثناء) شذ عن جميع قواعد وأعراف ومبادئ ومناهج المقاومة والكفاح من أجل الاستقلال والتي عرفها وسجلها التاريخ البشري على مدى قرون طويلة، لقد جمع هذا الجيل من السلاح ما لم تجمعه أية مقاومة شعبية ووطنية في أي زمان ومكان، لكننا لم نره يرفع هذا السلاح في وجه العدو الصهيوني المحتل لأرضه بقدر ما أهدر به الكثير من الدماء الفلسطينية والعربية.
وترك الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني من الأطفال والنساء والشباب يواجهون دبابات وطائرات العدو الصهيوني بالحجارة والصدور العارية، ولقد جمع هذا الجيل أيضا بكل فصائله من الأموال ما لم تجمعه أية فصائل مقاومة شعبية في التاريخ البشري، لكنه ذهب يهدر هذا المال وينفقه في التآمر ويستثمره في مشاريع خاصة عبر المحيطات لصالح القادة وشللهم وترك الشعب الفلسطيني البائس يعاني الفقر والجوع والتشرد وبرد المخيمات وحصار العدو الصهيوني المحتل.
هذا الجيل رفض تحمل مسؤولية تحرير الأرض والوطن وتركها للآخرين من العرب والأجانب الذين استغلوا الفرقة والخلافات بين الفصائل لخدمة مصالحهم الخاصة على حساب القضية الفلسطينية، بينما ذهب هذا الجيل من السياسيين والقادة الفلسطينيين ليزج بنفسه وبالقضية الفلسطينية في آتون الخلافات والأزمات العربية من أجل كسب المزيد من الأموال والامتيازات ومواقع الضغط والنفوذ لخدمة مصالحه الخاصة على حساب مصالح الشعب الفلسطيني البائس.
لقد نجحت إسرائيل بشكل مباشر وغير مباشر في استخدام وتوجيه قادة جميع الفصائل الفلسطينية (بلا استثناء) ومن شذ منهم وصمد قامت بتصفيته وعزله، ولم يبق منهم إلا من قبل عن علم أو بدون علم بلعب الأدوار المرسومة له، ولم يعد منهم من يتذكر أحمد ياسين والرنتيسي وأبو على مصطفى وصلاح شحادة وأبو سمهدانة وغيرهم الكثيرين ممن شاهدنا الأعيرة النارية تطلق في وداعهم لمثواهم الأخير متوعدة بالثأر لهم لكننا لم نرها بعد ذلك إلا في صدور الفلسطينيين أنفسهم.
هذا الجيل الذي تراجعت على يديه القضية الفلسطينية إلى أسفل الأجندة العربية لم يعد يصلح لتحمل مسؤولية هذه القضية التي باتت بحاجة ملحة لجيل جديد ومقاومة فلسطينية جديدة تؤمن بتحرير أرض فلسطين العربية وبأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وبأن الصراع مع الصهاينة صراع وجود وليس صراع حدود.
elmoghazy@hotmail.com