على الرغم من أن اختيار رئيس تركيا من المقرر أن يتم في شهر مايو القادم أي بعد ما يزيد على ثلاثة أشهر من الآن، إلا أن هذا الأمر بدأ يُحدث أزمات ومشاكل داخل تركيا بالنظر إلى التصريحات التي صدرت عن دنيز بايكال رئيس «حزب الشعب الجمهوري» المعارض في تركيا والتي هدد فيها بمقاطعه حزبه الانتخابات الرئاسية في حال ترشح رئيس الوزراء الحالي رجب طيب اردوغان لها. ذلك أن الأغلبية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية في البرلمان كفيلة بأن تؤمن له المنصب.
وقال بايكال انه إذا لم يذهب اردوغان نحو تفاهم فإن «حزب الشعب الجمهوري» لن يكون ضمن سيناريو الانتخابات الرئاسية بما يعني انه يمكن أن يقاطع جلسة البرلمان التي ستختار الرئيس وهو ما يهدد شرعية الرئيس الذي سينتخب في هذه الحالة من أعضاء حزبه فقط.
والمعروف أن رئيس الجمهورية التركي لا يتمتع بمهام تنفيذية كبيرة ويتم انتخابه عبر أعضاء البرلمان وليس من خلال انتخابات مباشرة تجرى من خلال عموم الناخبين. من هنا يمكن توقع إمكانية أن يكون رئيس تركيا القادم من الإسلاميين، في ظل سيطرة حزب العدالة والتنمية على أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان، وهذا الأمر سوف تكون له تداعيات مختلفة داخلية وخارجية على مستقبل تركيا فترة ليست قصيرة من الوقت.
ولكن قبل تناول تأثير هذا السيناريو على تركيا لابد من الإشارة إلى نقطة غاية في الأهمية وهي تتعلق بالدور الذي قام به رئيس تركيا الحالي احمد نجدت سيزر، وكان رئيساً للمحكمة العليا في تركيا قبل توليه منصبه كرئيس للجمهورية، في مواقف ومحاولات من الحكومة وحزبها كان من شأنها أسلمة الدولة التركية الأمر الذي جعل منه حامياً لعلمانية الدولة ومحافظاً على أسس الدولة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك.
ومن هذا كله نستطيع أن نقول إن آمال الإسلاميين الأتراك في إقرار برنامجهم السياسي والثقافي يمكن أن تتحقق في حالة ما إذا تم انتخاب اردوغان في منصب رئيس الجمهورية، ولكن هل تسمح النخبة العلمانية بذلك خاصة جناحها العسكري الذي يشكل حماية علمانية الدولة الدور الأساسي له في الوقت الراهن.
من هنا يمكن القول إن ضغوطاً متعددة المستويات سوف تمارس على حزب العدالة والتنمية من الآن وحتى موعد الترشيح من اجل دفعه للتوصل إلى صيغة وسط قد تتمثل في الموافقة على ترشيح احد أعضاء الحزب الآخر المشارك له في البرلمان وهو الشعب الجمهوري أو التوصل إلى صيغة أخرى مرضية وهي الموافقة على ترشيح رئيس المحكمة العليا الحالي.
وهذا السيناريو يغلق تماماً الباب أمام انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي فلسنا في حاجة إلى الكثير من الذكاء لكي ندرك أن وصول سياسي من أصل إسلامي إلى رئاسة تركيا ومساهمته في أسلمة الدولة التي ستتم من خلال البرلمان سوف ينهي تماماً على فرص تركيا في أن تصبح عضواً كاملاً في الاتحاد الأوروبي.
ونستطيع أن نقول إن تركيا في حال انتخابها رئيساً من حزب العدالة والتنمية سواء أكان رجب طيب اردوغان أم آخر غيره سوف تصبح على أعتاب أزمة سياسية، فمن جهة ستصبح كل العملية السياسية في أيدي حزب العدالة والتنمية وهذا الأمر يعني استبعاد كافة الأطياف السياسية الأخرى من يمين ويسار سواء المعتدل أم المتطرف الفاشي أم الليبرالي.
وهذا الأمر يعني أن خللاً ما قد حدث في الساحة السياسة قد يؤدي إلى دفع التيارات السياسية إلى البحث عن آليات أخرى للتمثيل وهنا قد تكون هذه الآليات هي العنف أو التمرد على الدولة عن طريق النزول بجماهيرها ومؤيديها إلى الشارع وهذا الأمر البديهي قد يكون هو الدافع لحزب العدالة والتنمية إلى البحث عن تفاهم يحول دون اقتراب هذا السيناريو السلبي من السياسة التركية.
فما سيحدث وان كان يتم بصورة قانونية وسياسية ودستورية إلا انه في نفس الوقت إخلال بالتوازن السياسي القائم حالياً في تركيا والذي كان أحد أسباب الاستقرار الذي تعيشه تركيا منذ عام 2001 والذي أخرجها من أزمة سياسية وعدم استقرار استمر فترة اقتربت من العشر سنوات أي منذ رحيل الرئيس الأسبق تورجوت اوزال وحتى الانتخابات التي حصل فيها حزب العدالة والتنمية على العدد الأكبر من الأصوات.
وهذا الأمر يمكن أن يحدث أزمة متعددة المستويات، فمن جهة فهي سوف تكون بين العدالة والتنمية المسيطر على كافة المؤسسات السياسية اي البرلمان والحكومة والمجالس البلدية والرئاسة، وباقي الأحزاب العلمانية من يمين ويسار وقومي، ومن جهة ثانية سوف تكون بين المؤسسة العسكرية العلمانية التي تناصب حزب العدالة والتنمية العداء وكافة المؤسسات التي يسيطر عليها، الأمر الذي يمكن أن يصيب بعض هذه المؤسسات بالشلل.. وبالتالي فإن العلاقة بين الحزب والجيش قد تشهد المزيد من التدهور في حال ما إذا أصر الحزب على ترشيح احد أعضائه لرئاسة الدولة.
من هنا يمكن القول إن رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التركي لابد وانه يدرك كافة هذه الحساسيات ومن هنا يمكن القول أيضاً إن خصومه يستطيعون أن يستثمروا وصوله إلى موقع رئيس الجمهورية في مايو المقبل وهم متوقعون حدوث الأزمات متعددة المستوى التي سبق أن اشرنا إليها من اجل تصوير هذا الوصول على انه سبب أزمات تركيا، بل والقول انه فضل مصلحته الشخصية ومصلحة حزبه على مصلحة تركيا وهذا الأمر سوف يؤثر على المدى الطويل بالسلب على شعبية اردوغان. فهل يمكّن خصومه من النيل منه. أم انه سيبحث عن صيغة تفاهم ترضي كل الأطراف، وتحقق في نفس الوقت مصالح تركيا ؟. هذا ما سوف تظهره الأسابيع القليلة المقبلة.
كاتب مصري
