لا يخفى أن الحالة الوطنية الفلسطينية بكل أبعادها ومقوماتها تعيش راهناً حالة من الارتباك والسيولة، يحار أهل الذكر في استكناه آفاقها وعلي أي الشطآن تستقر في الأجلين المنظور والممتد. مبعث هذه الحيرة واللاأدرية أن كثيرا من المعطيات التي طالما حفت هذه الحالة ومنحتها سماتها، أو ثوابتها الأساسية ولاسيما على الصعيد الداخلي، تموج بعمليات هندسية سياسية كبرى من التقويض والتغيير.

وربما تصل للهدم وإعادة التركيب والبناء. ولا ريب أنه في غمرة مشهد كهذا حيث لا يملك المتابع، مهما أوتى من أدوات تحليلية وحصافة، الإلمام بتفاصيل الأجندات المخبوءة لدى أطرافه، تصعب مهمة التشوف والاستطلاع على أرضية معرفية صلبة.

ندفع بهذا التعميم عطفاً على ما يعتمل بين القوى الفلسطينية من تقلصات وتفاعلات زاعقة، بلغت ذروتها في الجدل المعمق بشقيه الحواري الهادئ والعنيف الدموي، الذي شهده العام 2006 ومستهل 2007 حول مصير حركة التحرر الوطني، أهدافها ووسائلها وطبيعة نظامها السياسي ومن له حق ولايتها بشكل خاص. لكن النظرة الكلية تشي بأن الطرف الفلسطيني لا يتفرد بهذه التقلصات وما يتصل بها أو يتأتى عنها من تحولات وتداعيات، فكل الأطراف المنغمسة بدرجات متفاوتة في القضية الفلسطينية تكاد تعاني من الظاهرة ذاتها.

فالإسرائيليون يتحاورون ويتدافعون أيضاً حول حدود ما يأخذون من الفلسطينيين أو يعطوهم بالسلم والتفاوض أم بالاغتصاب والقوة العارية، وهل يتعين عليهم فعل ذلك عبر صفقة شاملة وحل نهائي أم بخطوات أحادية جزئية ومرحلية.كما ان الداخل الإسرائيلي يمور بأسباب التوتر على خلفية فساد أخلاقي في قمة هرم النخبة الحاكمة، وعلى خلفية أسئلة سياسية واستراتيجية تتعلق بقوة الردع بعد نكسة الصيف الماضي أمام حزب الله وفى ضوء ما يدعى بـ «الخطر الإيراني».

والأميركيون لديهم ما يختلفون عليه بهذا الخصوص. فرغم توافقهم، جمهوريين وديمقراطيين، على رؤية الرئيس بوش الابن للدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، إلا أن جدلاً يدور في أوساطهم الفكرية والسياسية المعنية حول آليات بلوغ هذا الهدف، وعما إذا كان الأمر يقتضي ضغوطاً على الحليف الإسرائيلي خدمة لمصالح أميركية شرق أوسطية أخرى، (كما ألمح تقرير بيكر - هاملتون منذ أسابيع)، أم أن التحركات الشكلية وخطوات التسكين على مسار التسوية واعتصار الجانب الفلسطيني تكفى لانسياب هذه المصالح؟.

وبدورها تشهد الأوساط الأوروبية تناظراً ظاهراً وخفياً بصدد الدور الذي يتعين القيام به على مسار التسوية. ويسهل في هذا الإطار بيان مدي المراوحة بين منظور الإقدام بمبادرة فاعلة مشفوعة برؤية موحدة، ومنظور الأحجام مع الاكتفاء بزيارات الاستطلاع والاستماع وتقريب وجهات النظر واستخدام أدوات المنح والمنع المالي والاقتصادي، لتليين الطرف الفلسطيني وسوقه للانصياع لإملاءات تخالف حقوقه المشروعة. دول الاتحاد الأوروبي موزعة بين هذين المنظورين.

ويقيناً يقع النظام العربي في دائرة التيه ذاتها.. فتراكم الهموم والقضايا شديدة التعقيد عليه بصفة كلية وعلى معظم وحداته (دوله) بالمعنى القطري لم تعد تدع له فرصة لتمييز القضية الفلسطينية عن غيرها، ومحضها الانشغال الاستثنائي الذي أولاها إياه لعقود.

وغاية ما يلاحظ بالخصوص هو الحديث المكرور عن الالتزام بمبادرة السلام الإستراتيجي مع إسرائيل، المعروضة بلا أصداء حقيقية وبلا بديل أكثر جدوى منذ قمة بيروت 2002.هذا دون الاستطراد للاتجاه الذي يتلصص على استحياء عبر تنظيرات إعلامية وسياسية، محاولا الترويج لمصفوفة أولويات عربية جديدة، لا تضع على رأسها معالجة الخطر الصهيوني وتحرير فلسطين وتستبدل ذلك بالخطرين الإيراني (الشيعي ؟!) والأصولي الإسلامي.

كأن البيئات المحيطة بالقضية الفلسطينية، المؤثرة علي مساراتها ومداراتها في الحال والاستقبال، تظهر من التساؤلات أكثر مما تعطي إجابات، وأي تحليل ينطلق من ضغط هذه اللحظة سيكون محكوما بتفكير الأزمة وسيميل حتماً إلي التشاؤم والاعتقاد بأن القضية تمر في نفق مظلم لا تظهر في آخره نقطة ضوء مشرقة إلي إشعار آخر.

ما يخفف وطأة هذا الاعتقاد أنها ليست المرة الأولى التي يسود فيها هذا التصور. لقد حدث شيء من ذلك في مراحل سابقة وفي إطار معطيات مقبضة ربما كانت أكثر إحكاماً مما يحيط بالقضية راهنا.. كتلك التي تبلورت فور وقوع النكبة الفلسطينية عامي 1948 و1949، أو التي اجتاحت العقل والسياسة فلسطينياً وعربياً بعد استكمال احتلال بقية فلسطين والإطباق على النظام العربي الظهير لها عام 1967.

وبعد إخراج المقاومة من الأردن ثم من لبنان عامي 1970 و1982 على التوالي. كذلك ظن البعض بأن القضية الفلسطينية قد طويت أو ذوي الاهتمام بها بُعيد حرب الخليج الثانية، حين حوصرت الانتفاضة الأولى وتعرض النظام العربي للزلزلة والانقسام، وذهب ريح المعسكر الاشتراكي الداعم لحركة التحرر الفلسطينية.

في هذه المناسبات ونحوها قيل إن السبل قد سدت على الحقيقة الفلسطينية الواعدة وأن قضايا أخرى باتت أكثر إلحاحاً على الأجندات العربية والدولية، وأن المشروع الصهيوني وكيانه إسرائيل يسيران بريح مواتية.. وأنه لن يمر وقت طويل قبل أن يقبل الفلسطينيون ما يملى عليهم ولو كان قليلا، وأن على حركة التحرر الفلسطينية أن تدع الكفاح المسلح لصالح المقاومة المدنية «غاندية الطابع»، وهذا كله بعد أن تتخلى عن حلم تصفية المشروع الصهيوني وهدف الدولة الديمقراطية العلمانية وحق العودة.

غير أنه ليس من باب الهوج الدعائي التعبوي أن نتذكر في لحظتنا الحالية التي وصفناها بالحيرة واللاأدرية والتساؤلات المريرة، كيف مرت المناسبات السابقة دون أن تنهار الحركة الوطنية الفلسطينية وأنها أكدت حضورها بدينامية ذاتية وموضوعية وعادت بعد كل انتكاسة لتفرض ذاتها على أجندات كل المعنيين، العاطفين عليها والمتربص بها على حد سواء. والحق أن إعادة وضع القضية على سكة الحضور والإشعاع غالباً ما كانت تتم بمخاض عسير وبتضحيات كبيرة، فلسطينياً بشكل جوهري.

نطرح هذه القناعة لا لكي نقلل من بشاعة الصورة السوداوية البائسة للقضية في هذه المرحلة، وإنما لأجل صيانة وتوسيع هامش التفاؤل واستفزاز همم الساهرين عليها لسرعة الاستدراك وانتشالهم من أحابيل لحظة تبدو في عمومها غير مبشرة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني