لم يكن ينقصنا في العالم العربي لتكتمل مآسينا سوى رشة ملح قاتلة، نعم، فكل ما يطبخ سياسياً لهذا العالم كان بحاجة لرشة الملح هذه، لكن الطاهي لم ينتبه جيداً للمقادير، أو ربما انتبه كثيراً ونقصد المبالغة، لم يكن ينقص وصفة «الفوضى الخلاقة» سوى فتنة، أي نوع من الفتن، فكانت المذهبية التي نامت قروناً فأيقظوها لتتولى قيادة سيناريو «الفوضى الخلاقة»!!

وحدها الفتنة المذهبية في العراق تنجز سيناريو الفوضى الخلاقة التي أرادتها الولايات المتحدة كمدخل لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد، ووحدها الفتنة ترسم الواقع، وتحدد الاتجاه، وتقرر مصير العراق والعراقيين، المصيبة أن العراقيين قد فقدوا قوة القرار، وبصيرة الاختيار، في الحقيقة لقد فقدوا البوصلة تماماً مثل بقية العالم العربي.. فهل يستطيع عاقل أن يدَّعي أن أحداً في هذا العالم لديه أدنى معرفة باتجاه البوصلة؟!

مع ذلك فهناك بعض الضوء كما يرى البعض فعلى امتداد المساحة التي تعيث فيها «الفوضى الخلاقة» لإعادة ترتيب الأوضاع وفق المخطط الأميركي، لا يبدو تماماً أن الولايات المتحدة قد حققت نجاحاً يذكر في أفغانستان برغم الدمار الذي أحدثته هناك وبرغم الهزيمة الأولية التي ألحقتها بطالبان والقاعدة، ذلك أن طالبان عادت مجدداً للظهور وبشكل قوي ومفاجئ في أفغانستان، ما أدى ربما لأن تتسلم الولايات المتحدة بنفسها مهمة قيادة قوات التحالف هناك منذ يومين!!

ولم تحقق الولايات المتحدة شيئاً يذكر في سجل الانتصارات العسكرية والسياسية في العراق يتناسب ووزنها كقوة عظمى ووحيدة في العالم، نعم دمرت العراق، وأشاعت فيه الفوضى، وقتلت مئات الآلاف من العراقيين لمصلحة العراق كما تدعي، ورهنت نفط العراق للشركات الأميركية لمدة ثلاثين عاماً مقبلة، وشتّت العراقيين في العالم لاجئين ومهاجرين ما لم يحدث مثله في كل تاريخ العراق، لكنها برغم ذلك لم تحقق شيئاً فكل هذا محسوب ضد الولايات المتحدة وإدارتها وليس لصالحها أبداً.

وحتى هذه اللحظة فالصراع في لبنان لم ينته، ورايس لم تكمل مهمتها، والأوروبيون مازالوا مصرين على إيجاد توافق لبناني داخلي بعيد عن فكرة إعطاء المعارضة مطالبها، لكن لبنان لم ينسق للفتنة حتى الآن وهذا إنجاز آخر للبنانيين وإخفاق مجلجل لسياسة «الفوضى الخلاقة»!

fadheela@albayan.ae