من غير المفهوم ونحن نعيش انطلاقة المناطق الإعلامية الحرة في البلدان العربية والتي تعرف بالمدن الإعلامية أن تظل الرقابة تلاحق النخبويين من المثقفين في حين تغفل متعمدة مراقبة كثير من القنوات الفضائية التي تضلل المشاهد وتسلمه مفاتيح جهنم باسم الدين، وباسم الترفيه وبأسماء «ما أنزل الله بها من سلطانٍ».
وفورة هذه المدن الخاصة منها والحكومية يفترض بها أن توازي السياسات التنموية والنهضوية في مجتمعاتها، والعمل على إصلاح ما أفسدته القنوات الموجهة التي حصرت أجيالا ضمن سياق أحادي النظرة والثقافة، بل ساهمت في كثير من تخلفه وجهله، والمفارقة أن تأتي هذه الفضائيات لتكبّر دائرة التخلف وتزيد من تفشي الأمراض النفسية والسلوكية في المجتمع.
القضية تتمثل في الترخيص للعديد من الفضائيات ولكل من يمتلك رأسمال دون النظر والتمعن فيما ستقدمه هذه التجارة للمستهلك، وهل ستسهم في خلق أجواء استثمارية حقيقية بعيدا عن مفهوم الربح الصرف، في ظل حقيقة أن الكل يدرك أن الاستثمار في بناء الأفراد هو اكبر التحديات التي تواجه الدول الآن، التي تسعى جاهده إلى رفعته وتقويمه بصرف مبالغ ضخمة فقط ليتحمل مسؤوليته، وهيهات أن يحدث طالما أن معاول الهدم جنبا إلى جنب مع معاول البناء لدرجة أن أصبح الفضاء مفتوحا ومزدحما وشرسا في هجمته حتى على الأطفال التي لم تشفع لهم براءتهم وأصبحوا ضحايا لتلك القنوات.
والمتتبع للدراسات التي شكل الإعلام العربي محورا رئيسيا لها يتلمس البعد المقلق لبعض جوانب هذا الإعلام الذي تغلغل في ثقافة المجتمع العربي وروّج لأفكار وقيم بعيدة عن القيم العربية الأصيلة وساهم في نسف القيم الإسلامية حين حوّل المرأة إلى مجرد سلعة تجارية، وأنكر عليها إنسانيتها وحقوقها بجعلها أداة في يد صناع الإعلام الفضائي الهابط، كما استغل عاطفتها وسذاجتها وقدّم لها برامج السحر والشعوذة التي غذّت هواجسها في ظل ثقافة بيئية لا تزال بعيدة عن عجلة التنمية الشاملة ولا تزال تسوّغ للفقر وللغيبيات وتحبّذ الاستكانة، وتحبط من دور المرأة.
وفي هذا الاتجاه ذهب المختصون في أبحاث تنمية المرأة إلى التأكيد مرات كثيرة على أنها أكثر الطاقات تهميشا في عملية التنمية في العالم العربي، الأمر الذي يؤدي إلى إصابة المجتمع العربي بخيبة أمل في الأجيال القادمة ما دامت مربية هذه الأجيال في معزل عن إطار التنمية التي تستنهض روحها قبل عقلها، وما دامت ترزح تحت ضغط دولاب إعلامي ضخم يكرس لتخلفها ولتفسخ قيمها وسلوكها.
وإذا كان من الضروري رصد هذه الظواهر التي أصبحت جزءا من الواقع المعاش فإن النظرة التحليلية لإيجاد استنتاجات وعلاجات لا بد أن تنطلق على أساس من التحديات الحضارية التي تواجه العالم العربي وتحديدا الإنسان العربي، وقد سلط العديد من المفكرين العرب اهتمامهم على مثل هذه التحديات وحاولوا إيجاد صيغة تربط بين نقد الواقع الاجتماعي والكيفية التي نبني بها علاقتنا بأطفالنا وبالمرأة وببعضنا البعض .
وهذا ما توجه إليه مباشرة المفكر هشام شرابي في كتابه «مقدمات لدراسة المجتمع العربي» ولعل المهتم بمعرفة أسباب التركيز من قبل المفكرين على سبر هذه العلاقات تحديدا، سيدرك لاحقا أن أي خلل يمكن أن يصيب المجتمع بكليته سيكون مبعثه من خلل اكبر في الغرس والتنشئة لمستوى العلاقات الثلاث في نسيج المجتمع، وهذا ما نراه جليا حين تتساقط احتمالات بناء الفرد ليواجه أعباء المدنية والحضارة التي تقع استمراريتها على عاتقه.
ولا يمكن أن يكون الإعلام هو الملف الوحيد الذي يلعب دورا في إفشال دور الفرد العربي وعزله عن ركب التقدم العلمي والحضاري، لكنه اللاعب الأكثر خطورة في هذه العملية وهذا غير منكر بخاصة حين تتحرك ماكينة الإعلان الذي يظل المتحكم في وسائل الإعلام وفي ظل اتساع كبير للسوق الإعلانية ليصل إجمالي الإنفاق الإعلاني في الفضائيات العربية إلى أكثر من 4 مليارات دولار تقريبا.
وفي الإطار ذاته تؤكد د. جيهان رشتي على أن الإعلان يسعى لبيع السلع والخدمات ولهذا يستخدم المعلن أي شيء يساعده علي تحقيق هذا الهدف من استمالات تعتمد على المشاعر والغرائز والأزياء الخارجية والمناظر التي تبعث علي البهجة والسرور .
والتي توظف المرأة والشباب في معظم الأحيان ومن هنا توصلت معظم الدراسات التي تناولت مضمون الإعلان التليفزيوني إلى أن استخدام المرأة في الإعلان كان غير لائق حيث تستخدم المرأة كسلعة لبيع السلع وتظهر عادة في إطار المطبخ ويكون هدفها جذب انتباه الآخرين بشكل غير أخلاقي.
وإذا كان الإعلان قد نجح في تسليع المرأة منذ زمن بعيد فإن الأمر الباعث على القلق الآن هو المتاجرة بجسدها علنا وباسم الفن الذي تقوم الفضائيات العربية بالترويج له على مدار الأربع وعشرين ساعة بث يومية، وكلما كان الفن هابطا كان الإقبال محتشدا من قبل الشباب والفتيات وربما حتى من الأطفال الذين يتركون دون رقابة، والذين يحفظون كل الأغاني عن ظهر قلب ويتلكئون في حفظ دروسهم، وفي دراسة نفسية كانت تركز على أنواع التحرش الجنسي للأطفال ذهبت إلى أن إتاحة الفرصة للأطفال لمشاهدة ما يسمى «بالفيديو كليب» .
والذي تبرز فيه مفاتن المرأة وعوراتها، هو نوع من أنواع التحرش الجنسي البصري، والذي يوقع الطفل تحت ضغط نفسي مؤلم وخادش لبراءته دون أن يملك القدرة على دفع هذا الضرر عنه، إضافة إلى الاختلاجات الشعورية التي ترافق طفولته وتمهّد لانحرافات مستقبلية.
ومع آخر صرعات هذا الإعلام المضاد لروح النهضة والتحضر والمدنية وكل ما يمكن أن يقال للارتقاء بالمجتمع العربي وبأوطاننا المأزومة من الحروب والجروح السياسية، يخرج علينا ببرامج الشعوذة التي بدأت تمتد من الخليج حتى المحيط وتبيع معها صكوك الشفاء ومعرفة بيت الداء المستشري في النفسية العربية المريضة التي تعاني من قلة الرزق ومن المرض العضال.
ومن طلاق وفشل مستمر ودائم وفي الأخير يخرج المشعوذ بالحل فيقول إن جميع هذه الأمراض مرجعها إلى السحر الأسود ويبدأ في زعزعة بقايا الثقة في نفوس المرضى وتنهار معه أي محاولة لانتشاله. هذه الخيبات حللها المفكر حليم بركات في كتابه «المجتمع العربي المعاصر» ورغم كل العلاجات النفسية والاجتماعية يبقى المرض أقوى وربما حتى أهم.
كاتبة إماراتية