بين جولة من القتال الداخلي وأخرى، يزداد قلق الفلسطينيين على قضيتهم، وتطلعاتهم، وحتى على حياتهم الشخصية التي باتت مهددة، وتتراجع آمالهم بقرب نهاية أزمة شاملة طاحنة لم يعهدوا مثلها من قبل. المناشدات التي تصدر عن المسؤولين، وتطالب بتحريم الدم الفلسطيني،

ووقف قتال الأخوة، والالتفات إلى التناقض الرئيسي مع المحتل الذي لا يتوقف عن ممارسة عدوانه، ومثلها الإجراءات والاتفاقات الأمنية التي تتم عبر وسطاء محليين أو عرباً، كلها تتحول إلى مجرد كلمات في الهواء تبددها أصوات الانفجارات، وإطلاق الرصاص، والتهدئة باتت بالنسبة للمواطن مجرد استراحة محارب.

عام مضى على الانتخابات التشريعية التي حصدت بنتيجتها حركة حماس أغلبية مقاعد المجلس التشريعي المكون من مئة واثنين وثلاثين عضواً، خلفت وضعاً معقداً يعاني من عقدة ازدواجية السلطة، وتوازن قوى بين الحركتين الكبيرتين حماس وفتح، يؤدي إلى شلل النظام السياسي، وحصار دولي وإقليمي شامل ينظر إليه الفلسطينيون على أنه شكل من أشكال العقاب الجماعي، نتيجة خيار شعبي جرى عبر عملية ديمقراطية نظيفة ونزيهة.

خلال العام الماضي لم ينجح الفلسطينيون عبر الحوار بوساطات في أغلب الأحيان وبدونها في أقلها، لم ينجحوا في التوصل إلى توافق يشكل بداية المخرج من الأزمة، وبداية الحل لعقدة ازدواجية السلطة، وكذا إنهاء الحصار المفروض عليهم.

على مذبح العدوان الإسرائيلي سقط خلال العام الغائب نحو ستمئة فلسطيني لم تكف دماؤهم ولا دماء الجرحى أو عذابات الأسرى، لأن تعدل الرؤوس الحامية والمائلة نحو شهوة السلطة والسيطرة، تلك الشهوة التي حصدت أرواح ثلاثمئة وستة وخمسين فلسطينياً بسبب الصراع الداخلي.

وإذا كانت أحداث السنة الماضية أكثر من قاسية على نفوس وحياة الفلسطينيين، فإن الشهر الأول من العام الجديد قد حمل منذ بداياته نذر شؤم لما سيأتي في قادم الأيام. فلقد سقط خلال شهر يناير من هذا العام منذ بدايته حتى الثلاثين منه سبعة وخمسون فلسطينياً وأكثر من ثلاثمئة جريح، بالإضافة إلى اختطاف سبعة وتسعين، وتلك حصيلة الاشتباكات التي وقعت بين حركتي فتح وحماس، قبل أن تتوقف إثر اتفاق بين الطرفين بوساطة من الوفد الأمني المصري المقيم في غزة.

الاتفاق الذي تم التوصل إليه، ليس جديداً لا في أسلوب التوصل إليه ولا في طبيعة البنود التي يحتويها. فلقد جرى سابقاً التوصل إلى اتفاقيات مشابهة لكنها لم تعمر طويلاً، حتى بات الفلسطينيون على قناعة من أن كل جولة قتالية لا تتوقف بسبب الوساطات، وإنما لحسابات تتصل باستنزاف أهدافها وتحضيراً لجولة أخرى، أكثر تصعيداً وقسوة.

الجولة الأخيرة التي اندلعت يوم الخميس الخامس والعشرين من يناير الماضي، واستمرت حتى فجر يوم الثلاثاء أي بعد خمسة أيام، شهدت تصعيداً بالمقارنة مع الجولة السابقة عليها، واشتملت على مختلف أشكال ووسائل العنف.

فمن القتل، إلى الاغتيال، والخطف والحصار، وتفجير المقرات، والبيوت السكنية، والقصف بالهاون وبقذائف «الآر بي جي»، إلى إقامة الحواجز، وشق الأنفاق تحت الأرض لاغتيال مسؤولين، وكل ذلك متزامناً مع قصف إعلامي تحريضي، ينضح بكل مفردات التشكيك والاتهامات الصعبة، والتهديدات، وتشويه السمعة... وبدون أن تسلم وسائل الإعلام والصحافيين من الأذى والتهديد بالقتل، كما جرى بالنسبة «لقناة العربية» التي تعرض مقرها في غزة للتفجير، وقبلها ما جرى للعاملين في «قناة الجزيرة»، فضلاً عن الإذاعات المحلية.

اللافت للنظر أن الجولة الأخيرة ترافقت مع انطلاقة الحوار الوطني الذي دعت إليه في غزة لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية، والتي اقتفت الآثار الإيجابية التي نجمت عن لقاء الرئيس محمود عباس برئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في دمشق.

لجنة المتابعة كانت عقدت أول اجتماعات الحوار بحضور الجميع يوم 23/ 1، وكانت على موعد مع اجتماع ثان يوم 25/1، وكانت قد توصلت إلى صياغات مقبولة مبدئياً لقضايا الخلاف خصوصاً السياسية، غير أن الرصاص استبق المجتمعين فوضع حداً للحوار مما جعل رئيس لجنة المتابعة يعلن عن تأجيل الحوار إلى أجل غير معلوم.

ثمة إذاً من لا يرغب في بدء الحوار، والأكيد أن هذا البعض ينتظر المزيد من التوسطات العربية والإقليمية، تحقيقاً لأجندات خاصة لا تلبيها الحوارات الداخلية بوساطات، أو مشاركات فلسطينية واسعة. هذه الجولة التي اندلعت بالتزامن مع انطلاقة الحوار ومن أجل وقفة تختلف عن سابقاتها التي كانت تندلع بمجرد توقف الحوارات، لتشكل بالرصاص حواراً بديلاً لحوار العقل.

ما يزيد قلق الفلسطينيين من احتمال عودة المتصارعين إلى ميدان الاقتتال، ذلك أن الجولة الأخيرة لم تتوقف على الأرجح بسبب التوسطات، ولا بسبب المبادرة السعودية الكريمة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بدعوته طرفي الصراع إلى مكة، وإنما الرسالة القوية والمباشرة التي أطلقتها العملية الفدائية في إيلات يوم الاثنين الماضي.

العملية الفدائية التي قام بها مقاتل من غزة، وباسم كتائب شهداء الأقصى، وكتائب سرايا القدس تنطوي على أهمية بالغة من حيث دلالاتها، فهي تتم في مدينة محصنة أمنياً، ومن قبل ناشط من غزة التي طبقت فيها إسرائيل خطة الفصل أحادي الجانب، والمحاصرة بشدة من قبل الاحتلال، وهي تضع المتقاتلين في حالة حرج، لكونها تذكرهم بأن التناقض الرئيسي هو مع الاحتلال وأن الرصاص ينبغي أن يتوجه إلى هناك وليس إلى الداخل الفلسطيني.

الحكومة الإسرائيلية التي تعاني من ضعف شديد متزايد، ومن تصاعد هجمات المعارضة عليها، هذه الحكومة كمن يبتلع الموسى، فإن امتنعت عن الرد على العملية، تعرضت لحملات تحريضية أشد من قبل معارضيها، وإن بادرت إلى رد عدواني هي بحاجة إليه لتغطية عجزها، كان ذلك سبباً في توقف الاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين، لمجابهة العدوان الإسرائيلي.

والحال أن هذه الحكومة آثرت عدم الرد بصورة موسعة، نظراً لأنها المستفيد الوحيد من استمرار الاقتتال الفلسطيني الداخلي، وهي تعلم أن أي عدوان ذا أهمية بالنسبة لها سيفسد عليها متعة إضعاف الفلسطينيين لأنفسهم بأيديهم، وبما مكنها في الآونة الأخيرة من معاودة اجترار معزوفتها السابقة بشأن عدم وجود شريك فلسطيني، وعدم أهلية الفلسطينيين لإدارة دولة مستقلة يتزايد الطلب عليها وبشأنها في أوساط المجتمع الدولي.

واقع الحال يشير إلى أن جولة الاقتتال الأخيرة لن تكون الأخيرة، وأن الأزمة لا يمكن أن تتم معالجتها عبر إجراءات أمنية أو مؤقتة، ذلك أن الحل ينبغي أن يكون سياسي وشامل وعبر الحوار، وهو أيضاً حل لا تنفع الوساطات كثيراً في التوصل إليه ما لم تتوفر إرادة حقيقية لدى الأطراف المتصارعة.

أما إن توفرت مثل هذه الإرادة، فإن التوصل إلى اتفاق يفضي إلى البدء بمعالجة الأزمة، يمكن أن يتم في أي مكان وبوساطات أو بدونها، ولهذا فإن السؤال هو هل ثمة ما يرجح أن الفرقاء باتوا يمتلكون مثل هذه الإرادة، أم أن طبيعة الأزمة بما أنها تتصل بازدواجية السلطة، تضع الفلسطينيين أمام المزيد من جولات الاقتتال؟.

كاتب فلسطيني