في عام 2000 قررت روسيا التحول إلى أكبر مخزن عالمي للنفايات الذرية المشعة التي ترغب الدول الصناعية في التخلص منها مقابل دعم مالي، وذلك على الرغم من المعارضة الحادة التي تفجرت من مختلف قطاعات الشعب الروسي ، إضافة لانتقادات الحكومة الأميركية. وكان من المتوقع إن تحصل روسيا على عائدات تزيد عن 21 مليار دولار في العقدين القادمين، وذلك في حالة قبولها ل20 ألفا من أطنان المخلفات الذرية من 15 دولة، والتي كان سيتم نقلها بواسطة سفن أو قطارات إلى سيبيريا.

ووفق هذه العرض كان سيتم إرسال النفايات النووية من مختلف دول العالم، بسعر 1600 دولار لكل 2. 2 رطل، وستتاح الفرصة بروسيا كي تعيد تشغيل تلك النفايات وبيعها مرة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن العرض الروسي ظهر في فترة اضطرت بعض الدول إلى تخزين مخلفات الوقود في مناطق الزلازل، مثل تايوان التي تمتلك 6 مفاعلات نووية أميركية الصنع، كما تمتلك اليابان 53 مفاعلا وتعانى من مشكلة تخزين مخلفاتها النووية. وفي أوروبا يوجد أكثر من 150 مفاعلا نوويا، وتقوم فرنسا بتوليد 76% من طاقتها الكهربائية مع الطاقة النووية.

واعتبر الكرملين أن الصناعة الجديدة ستوفر لروسيا أرباحا كبيرة تمكنها من الحصول على نفقات برنامج لتنقية البيئة وإنتاج مفاعلات أكثر كفاءة، إضافة إلى أنها ستمكنها من السيطرة على سوق الطاقة النووية في المستقبل. حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين آنذاك خلال زيارته إلى إقليم كراسنويارسك (شرق سيبيريا) أنه لا يعارض في جلب الوقود النووي المستهلك إلى البلاد.

وقال بوتين «إذا كان هذا سيتم بدون الإخلال بالتكنولوجيا، وإذا ما تركز الاهتمام على نفايات الوقود الذي نقدمه وإذا ما وجهت الموارد نحو معالجة قضايا حماية البيئة الموجودة، ومنها ما يتعلق بالتلوث النووي، واعتبر بوتين قرار جلب الوقود النووي المستهلك إلى أراضي روسيا مبررا وصائبا.

والجدير بالذكر بأنه يوجد أضخم مستودعات الوقود النووي المستهلك في روسيا في إقليم كراسنويارسك (شرق سيبيريا) حيث يوجد مجمع التعدين الكيميائي الذي كان ينتج البلوتونيوم المستخدم في الأغراض العسكرية. وتبلغ سعة المخزن الموجود في إقليم كراسنويارسك 6 آلاف طن، وقد تم أعادة بناء المخزن المذكور لتزيد سعته إلى 9 آلاف طن. كما يجري بناء مخزن آخر تبلغ سعته 38 ألف طن.

في عام 2003 كانت محاولات عبر تقديم عروض لمفاعلات أو محطات توليد طاقة كهروذرية، وقد كشف منذ أكثر من عامين الكسندر شميجين نائب مدير الوكالة الفيدرالية للطاقة الذرية عن أن المعامل التابعة للوكالة تقوم بتصميم مفاعل نووي جديد يطلق عليه اسم WWER -1500س (أي المفاعل النووي الملطف بالماء بقدرة 1500 ميغا واط) .

وتشير التصاميم النهائية إلى أن المفاعل الجديد WWER-0051سيعتبر تطويرا للمفاعلات من طرازWWER-1000التي يتم تزويد العديد من المحطات الكهروذرية في روسيا بها، والمحطات التي يتم بناؤها بمساعدة الخبراء الروس في الهند والصين وإيران. وتشكل هذه الأبحاث أهمية حيوية بالنسبة لخطط موسكو في أسواق الطاقة العالمية،

باعتبار أن المحطات الكهروذرية في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة واليابان وفرنسا تستخدم مفاعلات أقوى تتراوح قدرتها بين 1200 و1400 ميغاواط. وقد تمكن اتحاد الشركات الفرنسية والألمانية«FAMATOM - SIEMENS» من تصميم مفاعل «EPR» ذي قدرة 1500 - 1600 ميغاواط، الذي فاز في المناقصة التي أجريت في فنلندا عام 2003. وخسر المشروع الروسي «المفاعل المائي - 1000» آنذاك أمام مفاعل «EPR» في هذه المناقصة بسبب ضعف قدرته.

سارع العلماء الروس إلى البدء في وضع تصاميم بل وتصنيع «المفاعل المائي - 1500»، والذي تساوى قدراته إمكانات المفاعلات الغربية وخاصة مفاعل «EPR» الفرنسي- الألماني. وحرص العلماء الروس على تحقيق ذلك لم يكن في أطار التنافس العلمي مع زملاءهم الغربيين، وإنما بهدف توسيع قاعدة الطاقة اللازمة لتجسيد برنامج تنمية الاقتصاد الوطني، وتقديم منتجات متطورة في سوق الطاقة النووية العالمي توفر للخزينة الروسية عائدات تحتاجها للنهوض بالاقتصاد الوطني.

ويعتقد الخبراء في قطاع الطاقة النووية الروسي أن «المفاعل المائي-1500» سيكون خطوة نوعية لدعم صناعة الطاقة النووية، انه يتميز بدرجة عالية من الاقتصادية والمنافسة والأمان حسب كل المقاييس العالمية، إضافة إلى انه يعتمد على أنظمة وقاية لا تحتاج إلى مصادر طاقة إضافية، وتتكون من أربع مراحل تعترض طريق المواد المشعة التي قد تقذف لدى حدوث عطب.

وتزود المحطة الذرية التي يستخدم فيها «المفاعل المائي - 1500» بنظام فرعي لتصريف الحرارة يقوم على فكرة هندسية ذات منشأ روسي، وهو يتيح تصريف الحرارة الخالية تماما من ثاني أكسيد الكربون إلى الجو بصفته بيئة ذات قدرة غير محدودة على امتصاص الحرارة وذلك بدون أي خطر على السكان والعاملين في المحطة.

وتم تصميم «المفاعل المائي -1500» على أن يستخدم لفترة زمنية تزيد مرتين عن فترة استخدام المفاعلات الأخرى ذات القدرة 1000 ميغاواط، تبلغ 60 عاما. وستركب المفاعلات الأولى من طراز «1500» في شمال غربي روسيا ووسطها لتحل محل المفاعلات القديمة.

وبعد أن نجحت روسيا في تصنيع واستخدام كاسحات جليد ذرية وسفن نقل الحاويات الذرية منذ عام 1959، بدأت الأبحاث الروسية تصمم كاسحات للجليد الجديدة- ستحل محل السفن العاملة بعد عام 2015- يمكن استخدامها كمحطة عائمة لتوليد الكهرباء، ويسعى مصنعو هذه المفاعلات إلى الاستفادة مما تم إنجازه في مجال توليد الكهرباء، لا سيما وان سكان مناطق الشمال وأقاصي الشرق الروسية بحاجة ماسة إلى محطات صغيرة الحجم لتوليد الكهرباء.

ويحتاج تصميم هذه المحطات إلى 3 سنوات، فيما يتم تصنيعها خلال فترة لا تزيد عن 5 سنوات، وتتكون الوحدة العائمة من مولد للكهرباء يستخدم الطاقة النووية ويركب في صندل غير ذاتي الحركة أو مجموعة من العوامات. وقد حصل تصميم محطة عائمة لتوليد الكهرباء باستخدام الطاقة النووية من أجل مدينة سيفيرودفينسك (شمال الشطر الأوروبي من روسيا) على ترخيص من هيئة مراقبة الوضع الإشعاعي، تم رصد ميزانية لتنفيذ هذه المحطات في إطار برنامج الحكومة الروسية للطاقة (2002 - 2010) .

ويؤكد الخبراء الروس أن العديد من بلدان العالم سوف تبدى اهتماما بمشروع تصنيع محطات نووية صغيرة عائمة لإنتاج الكهرباء وتحليه المياه. وذلك استنادا إلى ما أفاد به المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي حول أن المفاعلات النووية الصغيرة والمتوسطة الطاقة سوف تلعب دورا محوريا في تسخير التكنولوجيا النووية لخدمة طالبي الطاقة.

ومن أهم مزايا التكنولوجيا الروسية في هذا المجال أنها تتيح لبلدان تمتلك مصانع السفن أو مصانع ماكينات الطاقة الفرصة للمساهمة في إنشاء المحطات النووية العائمة من دون ان يؤدي هذا إلى انتشار التكنولوجيا النووية لأن التكنولوجيا النووية تبقى تحت سيطرة الدولة المصنعة للمفاعلات النووية - روسيا.

وهذا يعني انه يمكن تشكيل الائتلاف (الكونسورتيوم) من دول عدة في العالم لإنشاء وتشغيل المحطات من هذا النوع. وما يهم بلدان العالم، وبالأخص البلدان النامية، أن الخبرة التي اكتسبتها روسيا من خلال تشغيل السفن الذرية تتيح تقديم خدمات الصيانة لمحطات الكهرباء العائمة بأقل تكلفة ممكنة علاوة على أن التقنية من إنتاج روسيا سهلة الاستخدام وبمقدور أبناء أي بلد تشغيلها.

خبيرة روسية في الطاقة