أخيراً توصلت الرئاسة والحكومة إلى وقف لإطلاق نار جديد بين حركتي فتح وحماس بعد مواجهة جديدة بين مسلحين من حركتي فتح وحماس من الاقتتال الدموي ذهب ضحيته أكثر من 30 فلسطينياً، إنَّه إنجاز فلسطيني كبير باتخاذ الحوار وسيلة للاتفاق على ما هم فيه مختلفون. لكنَّ الواقع سيظل يتحداهما على جعل قولهما حقيقة تنبض بالحياة، فقوى الحرب الأهلية، في الداخل، وفي الخارج، أقوى من أن تتغلَب عليها وتقهرها النيات الطيبة فحسب.

وعليه، فإن أهم اشتراطات نجاح الهدنة ومن ثم تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، قيام الشعب الفلسطيني باتخاذ القرار الحاسم بعدم السماح للقوى الغربية بالتدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية وتسريع تشكيل حكومة وحدة وطنية.وحتى وأن تطلب ذلك التضحية بالدعم المالي وغيره الذي تقدمه هذه القوى والذي يكون في ظاهره دعماً للشعب الفلسطيني، وفي باطنه تغذية للفتنة والنزاع الداخلي الفلسطيني لتقوية فريق على حساب آخر. لهذا يتعين في هذه المرحلة رفع شعار القرار الوطني والعربي المستقل ورفض الدعم الذي يتعارض مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني.

يسيطر الهم والحزن والقلق على العامة من الشعب الفلسطيني، ولا يكادوا يصدقون ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة على أيدي البعض من أبنائهم من أعمال قتل واغتيال وخطف ومساس بمؤسساتهم الوطنية والخاصة، ويطبق الإحباط عليهم وتتراجع بشكل متسارع ثقتهم بقياداتهم، ليصبح صراعاً مسلحاً مكشوفاً، يمتلك طرفاه جيوشاً وميليشيات، ويستخدمون افتك أنواع الأسلحة، وقد اسقط كلا الطرفين كل ضوابط إطلاق النار واستباحا بشكل فج الدماء والأرواح، وخلقا أجواء من العنف اللا محدود واللا معقول في وقت يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياسته العدوانية بقتل وتجويع الفلسطينيين.

منذ مطلع العام والحال كما هو، يتراوح بين مفاوضات على تشكيل حكومة وحدة وطنية، واتفاق وشيك، وخلاف بسيط على بعض المسائل الصغيرة والتفصيلية، تم تعليق للمفاوضات. وأكثر من مرة وصلت الأمور إلى طريق مسدود باتساع الاقتتال الداخلي، لذلك فإن الصراعات السياسية الشائكة لا تحل بالتمنيات ولا بافتراض النيات الطيبة.

وصراع حماس وفتح لا يمكن التقليل من خطورته، ولا من عمق الاختلاف ولا من تأثيراته في واقع فلسطين والشعب الفلسطيني. إن الظرف الخطر الذي تعيشه الساحة الوطنية الفلسطينية يفترض بالقوى والشخصيات اليسارية والديمقراطية، وبمؤسسات المجتمع المدني، التحرك السريع والمكثف لرأب الصدع الآخذ بالاتساع في النسيج الوطني والاجتماعي الفلسطيني، وللتصدي لحالة الاستقطاب الثنائي الحاصل على الساحة الوطنية، كل ذلك في سبيل الخروج من المأزق الوطني ومنع الانزلاق نحو الحرب الأهلية،

ويمكن لهذه القوى والشخصيات والمؤسسات (غير المنخرطة بالصراع المسلح) أن تلعب دوراً ايجابياً وفاعلاً من خلال أخذها لدورها الوطني المسؤول تجاه مصالح شعبها، واستمرارها في تأكيد حضورها على الساحة بتقديم المبادرات، والى جانب ذلك تكثيف عملها من اجل تفعيل العامل الشعبي واستخدامه بشكل منظم للضغط على كلا طرفي الصراع. ويمكن لهذه القوى تحقيق ذلك من خلال تبنيها شعار المصلحة العليا لفلسطين.

هذا هو الطريق الذي على القوى الفلسطينية الحريصة على المشروع الوطني أن تسلكه، وهو ما يتطلب منها تنظيم صفوفها وتوحيد خطابها التعبوي وتجاوز حساباتها الضيقة التي أدت إلى شرذمتها وإضعاف قدرتها على تشكيل البديل. في الحال الفلسطيني يهيمن الاحتلال الإسرائيلي على أبجديات الحياة الفلسطينية،

ويسيطر على شكلها واتجاهها ويتدخل في تفاصيلها بكونه القوة المسيطرة، لذا فإن هذا الاحتلال والتخلص منه، وجب أن يشكلا البند الأول على البرنامج السياسي والنضالي لأي قوة سياسية فلسطينية، وهو الأمر الذي يتوافق عليه الفلسطينيون. لكن ما يختلفون عليه هو الكيفية التي يجب اعتمادها للتخلص من هذا الاحتلال.

فإذا كان التعامل مع الاحتلال يتم بالمفاوضات أو المقاومة أو بالجمع بينهما فيمكن أن يكون الحوار هو الأسلوب الوحيد لحسم الخلافات الداخلية. وعندما يكون هناك احتلال يفترض من الجميع التوحد في مواجهته، والنضال لإزالته. فالاحتلال خطر داهم على الفلسطينيين، ويجعل ما يوحدهم أكبر بكثير مما يفرقهم. وعندما يدحر الاحتلال، عندها فقط لكل حادث حديث. ولكن من يدحر الاحتلال لا يدخل في حرب أهلية، لأنه يدرك طهارة السلاح وشرف القضية وقداسة الشعب.

benhadnal@yahoo.fr