الشواهد على أن الصراع الأميركي الصهيوني مع إيران سائر نحو المواجهة والحرب كثيرة ومتنوعة، ونلمسها في الحرب الكلامية المحتدمة كل لحظة بين الطرفين.رغم ذلك ألا يوجد هناك احتمال ولو بنسبة قليلة أن يتوصل الجانبان بصورة أو بأخرى إلى اتفاق أو صفقة تعطي طهران دوراً إقليمياً نافذاً في المنطقة، وبالتالي يدفع العرب ثمن هذه الصفقة؟

المفترض أن صانعي القرار في العواصم العربية قد أخذوا ذلك في حسبانهم، ويفترض أيضاً أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. المنطقي أن العرب وإيران جاران يجمعهما الدين ومصالح كثيرة مشتركة، وكان ينبغي أن يتكاملا ضد عدو واحد مشترك لا يخفى نيته في تكسير كل المنطقة وتغيير معالمها لتتحول إلى دويلات طائفية عرقية صغيرة يسهل قيادتها من قبل الوكيل الأميركي المعتمد رسمياً منذ عام 1948 في المنطقة، ألا وهو العدو الإسرائيلي.

لكن وبما أن السياسة لا تعترف بالمنطق كثيراً، فقد حدث ما حدث.. احتلت أميركا العراق وأعادته للوراء قروناً، مقدمة خدمة استراتيجية هائلة لإسرائيل، ولإيران أيضاً، هذا الاحتلال ما كان ليتم لولا مشاركة فاعلة من أطراف عربية رئيسية للأسف. الآن هذه الأطراف العربية الرئيسية صارت تصرخ وتولول على ضياع العراق وخوفها من امتداد حريقه إليها.. وصارت المعزوفة المتكررة في عواصم عربية عدة هي الخطر الإيراني، لدرجة أن بعض هذه الأطراف أصبحت ترى في الدور الإيراني الخطر الأكبر ونسيت الاحتلال تماماً.

من بديهيات الأمور أن تبحث طهران عن مصالحها القومية وتعظمها، ومن بديهيات الأمور أيضاً أنه كان يفترض بالعرب أن يبحثوا عن مصالحهم، لكن وبما أن المنطق غائب الآن، وكذلك البديهيات، فقد وصلنا إلى نقطة عبثية يراد فيها للعرب أن يواجهوا إيران ويصلحوا ما أفسده الاحتلال في العراق، ويدخل الطرفان حرباً طائفية عرقية مجنونة تكون أحد شروطها نسيان فلسطين للأبد وتقسيم سوريا ولبنان والسودان، واشغال مصر وعزل المغرب العربي عن مشرقه.

لسوء الحظ فإن كثيراً من العرب بدأوا الاندماج في اللعبة الأميركية الإسرائيلية المتكررة بإشعال مواجهة عربية إيرانية، ونسوا تماما أبسط بديهيات السياسة وهي احتمال توصل واشنطن وطهران إلى صفقة يكونون هم وقودها. هؤلاء المحرضون نسوا أن أميركا وإيران دخلتا معا في مواجهة طاحنة أيضا في منتصف الثمانينات،

عندما أرادات واشنطن الانتقام من الثورة الإيرانية فعملت مع إسرائيل عل تأجيج الحرب العراقية الإيرانية لانهاك الطرفين، ورغم ذلك وفي قمة هذه المواجهة ظهرت فيما بعد فضيحة «إيران ـ كونترا» حينما أمدت تل أبيب طهران بأسلحة برعاية أميركية تذهب عائداتها إلى متمردي «الكونترا» في نيكاراغوا المناوئين للحكم الوطني هناك.

ما الذي يمنع في السياسة الآن تكرار مثل هذه الفضيحة؟ .. يقيناً ان الولايات المتحدة قدمت وتقدم الآن وعوداً براقة لبعض العرب قد يدخلون علناً بكل إمكانياتهم في مواجهة مع إيران.. لكن متى كان للوعود ثمن في بورصة السياسة؟ ألا يتخيل هؤلاء العرب منظرهم وشكلهم إذا هم اندمجوا في اللعبة الأميركية الإسرائيلية الآن ثم فوجئوا في أي لحظة بصفقة أميركية إيرانية .. ألا يخافون من شعوبهم؟ ربما كان السؤال السابق عبثياً فبعض الحكومات العربية لا تعترف بشعوبها أصلاً؟

إذن ألا يخافون على «كراسيهم»؟. فالصفقة إذا حدثت ستغير كثيراً من الأوضاع التي يظن أصحابها أنها خالدة. يا بعض العرب المصدقين للوعود الأميركية والإسرائيلية.. احذروا اللعبة الجهنمية التي تمارسونها الآن.. هناك بالفعل خطر إيراني يسعى للهيمنة.. لكن مواجهته لا تكون بالتحالف مع واشنطن وتل أبيب.. بل بالتحالف مع شعوبكم أولاً.. ثم التحالف بينكم كبلدان.. ومع الدول الصديقة التي ترى أن مشكلة المنطقة تتلخص أولاً وأخيراً في الاحتلال بكل أشكاله، والفساد بكل أنواعه.. إذا حدث ذلك وهو احتمال بعيد بالطبع ربما تغير السلوك الإيراني تماماً.

emadiraqi@yahoo.com