صرنا في أمس الحاجة لرؤية أحزاب وجمعيات تتشكل في محيطنا العربي المترامي الأطراف تدعو إلى حب الحياة وعدم التنكيل بالبشر أينما وجدوا وأينما عاشوا وحماية النفس البشرية التي منحها الله الحياة من أن تفقد هذه النعمة تحت أي مبرر أو غاية، وتجريم الاتجار بالدماء.
تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أن خير طريق للفوز والانتصار هو نقل المعركة إلى ارض العدو، وداعبت مخيلتنا قيم التضحية بكل ما هو غال ونفيس لدحر عدونا، واعتادت أيادينا الطرية على حفر الخنادق وطلي نوافذنا بالألوان القاتمة، ومشاهدة الطائرات وهي تلهو في السماء.
وكبرنا وكبرت معنا وفي مخيلتنا اجواء المعارك، ورسمنا في أحلامنا بطولات وبطولات، وتصورنا أن التضحية بالنفس ثمن زهيد لما نتطلع اليه ونرجوه.
آمنا وبكل اخلاص أن فجرا جديدا سيبزغ من تضحياتنا وأن أبناءنا سيشيرون إلينا على أننا الأبطال الذين قدموا كل غال ورخيص لتحقيق أحلامهم وآمالهم.
لم نرفع صوتنا فوق صوت المعركة، ولم نسمح لخلجات أنفسنا أن تخرج من صدورنا، ولم نسمح لشفانا بأن تتأوه وتصيح، حتى لم نسمح لأعيننا بأن تذرف الدموع على من نفقدهم من الأهل والأصحاب.
تربينا وترعرعنا وفي داخل كل منا جندي يتوق لتلبية نداء الوطن، وكنا نشعر بالفخر والاعتزاز عندما كانوا يقولون لنا بأنه عندما يفقد العدو جنديا من جنوده تقوم الدنيا ولا تقعد، لم نناقش ثمن تضحياتنا .
كنا نعلم علم اليقين من هو عدونا، وكنا نمتلك الحلم والرؤية، وكنا ننتشي فرحا برسالتنا التي تغطي الكون من أقصاه إلى أقصاه.
الآن انقلبت الأوضاع رأسا على عقب. لم يفلح العدو في الوصول إلى عمق أراضينا فحسب، بل انتقلت خطوط القتال إلى داخل عواصمنا ومدننا، وانقسمنا إلى موالين ومعارضين كما هو الحال في لبنان، وتفرقنا بحسب الخطوط المذهبية كما هو الحال في العراق، وتقاتلنا لأغراض وأهداف اثنية كما هو الحال في السودان .
والأكثر من ذلك، صارت مجتمعاتنا ودولنا مهددة بالاقتتال الأهلي، وصرنا لا نعرف من هو العدو ومن هو الصديق، ولا نعرف من سنقف إلى جواره لنؤازره ونعضد من قوته، ومن سنعاديه لكي نجيش له الجيوش، وصرنا نستحل زهق أرواح أبناء جلدتنا، ونعطي المبررات لنحر رؤوس أهالينا وأصدقائنا.
قالوا لنا انها مشاهد من سيناريو الفوضى البناءة الذي تطبقه واشنطن في محيطنا العربي المتسع لايجاد كيانات مشوهة غير قادرة على الحياة. وقالوا لنا ان ما نعانيه اليوم هو مخطط صهيوني قديم قدم الأزل لتحويلنا إلى كيانات متناهية الصغر.
ولكن السؤال الذي يطيح بالرؤؤس هو: أين نحن؟ هل اندحرت مناعتنا وقدرتنا على المقاومة بحيث صارت أجساد مجتمعاتنا مرتعا لكافة أشكال الفطريات ما كبر منها وما صغر؟
وإذا كان هذا هو الوضع، فقد صار لزاما علينا أن ننشئ جمعيات وأحزاب مهمتها ورسالتها هو الحفاظ على أرواحنا، ومنع التنكيل بأجسامنا مهما يكن نبل الذريعة والمبرر، حتى نحافظ على وجودنا من الاندثار، ولنتخيل معا، تدفق الناشطين من أحزاب وجمعيات تدعو إلى حب الحياة إلى خطوط التماس بين الفرقاء المتناحرين في عواصمنا ومدننا العربية، واستخدام هؤلاء لكافة الوسائل للكشف عن تجار الدماء وبائعي الأوهام والخدع، وتذكير المقاتلين بأنهم أياديهم ملطخة بدماء أبناء جلدتهم وذويهم وأهاليهم.
أو ليس ذلك أجدى من انتظار بعض قادتنا وزعامتنا وهم يذهبون ويغدون من مكان لآخر، ويخرجون بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع، أو ليس ذلك أجدى من انتظار قرار أخرق وبال من مجلس الأمن يدعو إلى ضبط النفس.
أو ليس ذلك دليلا على أننا نمتلك جسدا قادرا على الانتفاض ضد شلالات الدماء المنهمرة من خطوط القتال.
هؤلاء الناشطون لن يتلونوا بألوان سياسية، ولن يرتدوا أردية ايديولوجية، بل سيرفعون لواء قيمة إنسانية توارت إلى خلف عقود وعقود، وهي تقديس حب الحياة.