منذ أعلن المفكر الأميركي هنتنغتون مقولته الشهيرة عن «صراع أو صِدام الحضارات» شهدت الساحة الفكرية العالمية استجابات متباينة ونظريات وطروحات مضادة، منها ما يطرح بديلا بعنوان «حوار الحضارات» أو بعنوان «تواؤم الحضارات» أو «التكامل بين الثقافات».
أما الجديد فهو ما تقول به دراسة منشورة مؤخرا في عدد يناير - فبراير من فصلية الشؤون الخارجية «فورين أفيرز» بقلم «دومينيك مواسيه» وقد جاءت تحت العنوان المستجد على النحو التالي: «صِدام الانفعالات» الدراسة فرنسية المصدر، وربما تكون من المقولات التي يتبناها المعهد الدولي للعلاقات الدولية في باريس، وربما أيضا تكون ناتجة عن نظرة فرنسية تحاول تحقيق نوع من التوازن مع حكاية التصادم بين الحضارات والثقافات في عالمنا المعاصر.
على أن الدراسة المذكورة لا ترفض نظرية الصراع ولا تحاول أن تفندها أو تدحض ما يذهب إليه صاحبها المفكر الأميركي. بل على العكس تشير الدراسة الفرنسية إلى أن الأحداث التي توالت، وما برحت تتوالى على العالم، تؤكد أو تكاد تؤكد صحة القول بالصراع شريطة أن تُفهم المسألة على أنه لا يقتصر على الثقافات أو العقائد بقدر ما أنه ينسحب أيضا على المصالح الاقتصادية والمخططات الجيوسياسية. ولكن الدراسة الفرنسية توسع الرؤية الفكرية لتقول إنه مع انشغال الدوائر المعنية بتأكيد أو تفنيد نظرية صدام الحضارات لم يكد أحد يلحظ أن ثمة «حالة» أخرى من صراع أو تصادم تتشكل في الوقت الراهن في شرق عالمنا وغربه وهي: صراع الأحاسيس أو المشاعر أو الانفعالات.
وعلى سبيل الاختصار - الموجع كما سوف نرى - تقول الدراسة ما يلي:
- إن عالم الغرب (أوروبا وأميركا) بات يصدر عن ثقافة من الخوف وأن أصقاعا شتى في القارة الآسيوية (جنوب شرقها والصين مثلا) تصدر عن ثقافة الأمل.. في حين أن العالمين العربي والإسلامي فهما (في رأي الدراسة) لا يصدران، بقدر ما أنهما محبوسان في ثقافة الشعور بالهوان.
الخوف الغربي في الحالة الأولى تراه النظرة الفرنسية خوفا من «الآخر» وخوفا من المستقبل وخوفا يخالطه القلق من فقدان الهوية وسط عالم يزداد تعقيدا.. إنه خوف مركّب بمعنى أنه يتآلف من مستويات وطبقات تتراوح بين خشية الغرب الأوروبي - الأميركي من أن تجتاحه يوما جموع الفقراء المحرومين وأمواج، وربما سيول، المعوزين الغاضبين أو الهائجين وخاصة من أقطار الجنوب في العالم - إفريقيا على وجه الخصوص. ويلاحظ في هذا السياق أن الخوف الغربي ليس مجرد شعور غامض أو قلق نابع عن الاكتئاب.. إنه خوف متأصل وينطلق من أسباب حقيقية وتستند إلى عوامل لها وجاهتها وفي مقدمتها عاملان جوهريان هما: الديموغرافيا والجغرافيا (بمعنى حجم السكان وطبيعة الموقع).
تأمل موجات الأفارقة الزاحفين إلى حيث الهجرة غير الشرعية إلى الشمال الأوروبي وسط ظروف رهيبة لا يمكن تخيلها، ومنهم من يلقى حتفه في المحاولة. والأغرب أن هذا المصير لا يشكل عبرة لغيره فالموجات تتوالى وربما تزداد كثافة وعنفا ومن داخل أقطار الغرب تولدت أيضا مخاوف من وجود مجتمعات مهاجرة ومستقرة من العرب والمسلمين في تلك الأقطار فما بالك وهناك دعايات اليمين العنصري في الغرب ومعها دعايات الصهيونية العالمية وكلها تؤجج هذا الشعور السلبي إزاء مواطني الغرب من ذوي الأصل العربي أو من معتنقي الديانة الإسلامية.
هذه الدعايات المفترية المغرضة لا تلبث تحذّر الأوروبيين من مصير تحول أقطارهم إلى «أورابيا» أي أوروبا العربية وهي بهذا تبث شعورا بالقلق إزاء الجاليات الإسلامية والعربية ومن ثم تعمل إلى تحويله إلى شعور بالتوجّس والتشكك وبعده شعور بالتربص والترصد إلى حيث يسود ويستشري إحساس الخوف الذي تراه الدراسة الفرنسية ملازما للذهنية والوجدان الغربي في هذه المرحلة.
على الطرف النقيض من معادلة الخوف والاهتزاز النفسي والتشكك إلى حد اللايقين نجد مشاعر الأمل تكاد تسود أصقاعا مترامية من القارة الآسيوية التي يراودها إحساس بات مرصودا في أوساط شتى بأن دورها قد حان للمشاركة الإيجابية والفعالة في الإمساك بمقاليد العالم (انتخاب الأمين العام الجديد للأمم المتحدة علامة على مثل هذا الشعور).
إن الصين نموذج بليغ ودال في هذا المضمار ولهذا فلم يفت نقاد الفن ومحللو السياسة أن يلاحظوا مثلا دلالة المعرض الفني الذي شهدته لندن على مدى عامي 2005 و2006 بعنوان «الصين.. ثلاثة أباطرة 1662- 1795».
وتقول الدراسة الفرنسية، كانت الرسالة الواضحة التي حملها المعرض تقول: «إن الصين عائدة» وقد تجلت الرسالة في أهم اللوحات الضخمة المعروضة وتصور مبعوثي الغرب وهم يقدمون فروض الولاء والطاعة لجلالة إمبراطور الصين منذ قرنين من الزمن عانت بعدهما الصين، كما تعرف، من ضروب التخلف والإقصاء والصراعات والأطماع ما عانته وها هي ذي تسجل عودتها مع القرن الحادي والعشرين على أساس سياسة تفضي بالتركيز على التنمية الاقتصادية وتحاشي النزاعات من أجل أن تجمع بكين بين المنافع المادية والمكانة الدولية على السواء.. والصين بذلك تخط مسارا وترتاد سبيلا تتبعها فيه نظيراتها الآسيويات مثل الهند واليابان أو كوريا الجنوبية أو غيرها.
في هذه النقطة بالذات نلتمس مع الدراسة قدرا من التماثل بين «الحالة» الآسيوية وبين ما كانت عليه «الحالة» العربية - الإسلامية. صحيح أن الصين منذ قرنين كانت امبراطورية ذات منعة ومهابة. والأصح أن الكيان العربي - الإسلامي كان منذ بضعة قرون يتمتع بقدر أوسع وأرفع من المنعة والمهابة والجلال.. وهنا تقول الدراسة الفرنسية بالحرف: «عندما كانت أوروبا تعيش القرون الوسطى كان (عالم) الإسلام قد بلغ ذروة نهضته، ولكن عندما بدأت أوروبا نهضتها (الرينيسانس) كان ذلك إيذانا بتدهور الأحوال في عالم الإسلام.
ثم جاء إنشاء دولة إسرائيل في قلب الأرض العربية - الإسلامية بمثابة البرهان النهائي الدامغ على هذا التدهور.. وعلى عكس اليهود.. فقد رأى العرب والمسلمون في قيام إسرائيل ظاهرة متخلفة عن عصر الاستعمار الغربي الذي فرض وجودها بحكم منطقه الإمبريالي الذي تجاوزه الزمن ولأنه لم يتم حل الصراع - النزاع بين إسرائيل وجيرانها فقد ساعد ذلك على تحويل ثقافة المهانة إلى ثقافة البغضاء.. (ولدرجة) تحوّل فيها الصراع ليصبح صداما بين الإسلام والغرب بشكل عام».
هكذا عرضت الدراسة الأدبية لأعباء الموقف. وربما زاد الأمر سوءاً دخول العالم في ما أصبح يعرف باسم ظاهرة «العولمة»، تلك التي جسدتها التحولات الجذرية، بل هي الثورات التكنولوجية في مجالات الاتصال والحواسيب والتطور الاقتصادي وحين شعر العرب والمسلمون أنهم خرجوا من هذه الظاهرة أقرب إلى صفر اليدين وأن هناك أطرافا أخرى أفادت إلى الحدود القصوى من تحولات «القرية العالمية».. ومنها أطراف غربية (أميركا ومعظم بلدان غرب أوروبا) ومعها أيضا أطراف آسيوية (الصين والهند) فقد كانت المحصلة المنطقية هي تفاقم ذلك الشعور الممضّ بالإهانة وقد زاده اشتعالا مواقف تنّم عن قدر لا يخفى من الاستهانة تجاه جماعات العرب والمسلمين ابتداء من حكاية الرسوم المسيئة لنبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، وليس انتهاء بمشهد إعدام رئيس عراقي سابق صبيحة يوم العيد الأكبر الذي تحتفل به وتقدسه جموع العرب وملايين المسلمين.
ـ ما العمل إذن إزاء هذا الانقسام الانفعالي الذي يجتاح شرق عالمنا وغربه؟
ـ إن الدراسة الفرنسية تحذر بالذات من استمرار هذا الشعور بالإهانة وهو يعتمل في مراجل النفوس على صعيد العالمين العربي والإسلامي.. ولهذا فهي تنبه الغرب إلى ضرورة إعطاء الأولوية لإدراك مدى خطورة هذه المشاعر.. ومن ثم يتعين على الغرب أن يعمل جاهدا على أن يبث شعورا من الأمل عند العرب والمسلمين. وبنفس القدر يتعين على السياسات الغربية في أوروبا وأميركا أن تكف عن اللعبة القديمة والممسوخة أيضا التي تحاول في إطارها أن تقسم المسلمين إلى من تسميهم معتدلين ومتطرفين كما تسعى إلى أن تضع كلاً من الفئتين في مواجهة الأخرى.
توضح الدراسة أن التعاون من أجل التقدم هو الحل شريطة أن تتوالى خطى التقدم في المضمارين الاقتصادي والاجتماعي بهدف أن يحل الأمل محل اليأس ويحل التطور الناجح محل مشاعر الغضب.
في إطار هذا كله تظل الخطوة الأولى والجوهرية أيضا هي التعامل مع قضية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.
مرة أخرى تقول الدراسة: «حالة إسرائيل تطابق حالة الغرب(!) بمعنى أنها محاطة بثقافة ومشاعر من الشعور بالإهانة والغضب فيما تحلم بالهروب من منطقة خطرة وترنو للدخول في منطقة أخرى هي منطقة الأمل. لكن على إسرائيل أن تشرع أولا وقبل كل شيء في إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية وإلا كان هروبها المأمول أمرا مستحيلا».
وفي رأينا أن ما لم تضفه الدراسة هو أن المسألة ليست «مشكلة» فلسطينية تؤرق إسرائيل.. إنها قضية شعب وأرض وحق أصيل في تقرير المصير.. وما لم يتنبّه الغرب إلى تأكيد وتفعيل هذا الحل.. بوصفه الخطوة الأولى نحو التواؤم الحضاري والانسجام الثقافي مع العالمين العربي والإسلامي فلسوف يظل الصراع محتدما ومهددا لمصالح الغرب في الأجل المتوسط ثم البعيد وبصرف النظر عما قد يقترحه المفكرون من مسميات سواء كانوا أميركيين أو فرنسيين.
كاتب مصري