كشفت الصراعات الحادة التي جرت وتجري في مواقع شتى من منطقة الشرق الأوسط منذ بدء العمليات العسكرية في أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، عن مدى ضعف الولايات المتحدة وأبرز حلفائها، بريطانيا وإسرائيل، في فرض أجندتها السياسية في هذه المنطقة رغم ما تمتلكه هذه الدول الثلاث من قدرات عسكرية متقدمة.

لقد استندت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط على ركيزتين اثنتين ثبت فشل كلاهما خلال السنوات القليلة المنصرمة، أولهما أن مخططي السياسة الأميركية لا يزالون يرون بأن استخدام القوة العسكرية هو المدخل الوحيد المضمون لفرض الأجندات التي تسعى واشنطن وحليفتيها أن تراها قيد التنفيذ في هذه المنطقة من العالم.

وفي ضوء ذلك لا يتردد صانع القرار الأميركي كثيراً في إصدار قرار الذهاب إلى الحرب مباشرة إذا كانت الولايات المتحدة هي المعنية بذلك، ولا يتردد كذلك في استخدام حق النقض ضد أي قرار يشرعه مجلس الأمن الدولي لوقف القتال حين تكون إحدى حليفاته، إسرائيل بشكل خاص، مشغولة بصراع مسلح مع طرف آخر في المنطقة، حتى لو كان في ذلك تحد للرأي العام العالمي برمته. وقد شهدنا ذلك بشكل لا يقبل اللبس في المواقف الأميركية في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان.

أما ثاني الركيزتين فهو اعتماد سياسة التمسك بمواقف لا تتقبل المرونة وتحويل الجهود الدبلوماسية إلى أدوات لزيادة صلابة الركيزة الأولى بدل اعتمادها وسيلة للتخفيف من خشونتها للحصول على حلول مقبولة لها فرصة للنجاح. فلا تنازلات حتى لو كانت ثانوية الأهمية تُقدم من قبلها أو من قبل حليفتيها إلى طرف النزاع الآخر، فذلك دلالة ضعف في تصور أصحاب القرار في واشنطن ولندن وتل أبيب لا ينبغي أن يظهروا به أمام الطرف الآخر.

وتنم هذه السياسة عن عقلية سلطوية تضع نفسها في موضع المانح وتضع الآخر في موضع المتلقي، وهذا في الحقيقة قد قاد العالم، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة المشار إليها إلى وضع غير مسبوق من التأزم، فالتعامل مع مشاكل هذه المنطقة الهامة من العالم بهذا الأسلوب المتغطرس من غير المستبعد أن يدفعها إلى المزيد من الانحدار نحو عدم الاستقرار مما قد يلحق الأضرار ليس بشعوب هذه المنطقة فحسب، وقد لحقت أضرار كثيرة بهذه الشعوب فعلاً، وإنما تنسحب على دول أخرى في أوروبا وفي الشرق الأقصى بسبب اعتماد تلك الدول على الصادرات النفطية من هذه المنطقة.

لقد حرص كبار المسؤولين الأميركيين على التخفيف من غلواء سياسة الاقتحام التي ينتهجوها، بخلط أوراقها بأوراق أخرى تبدو للوهلة الأولى وردية اللون، وهي الأجندات الخاصة بمشروع الشرق الأوسط الكبير، فلم يغب عن البال تعهد الرئيس الأميركي في عام 2001 بالقضاء على مصادر الشر في العالم، ولم يغب عن البال تصريح وزيرة الخارجية الأميركية غداة بدء الهجوم الجوي المدمر الذي شنته إسرائيل على لبنان في يوليو الماضي، الذي قالت فيه بأن شرق أوسط جديدا على وشك البزوغ.

لقد بزغ فعلاً شرق أوسط جديد منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، حين وضعت الولايات المتحدة كل ثقلها في هذه المنطقة، فقد تصاعدت مشاعر الامتعاض من سياساتها لدى شعوب المنطقة ولدى الشعب الأميركي نفسه من جراء الخسائر الكبيرة في الأرواح والأموال التي تكبدتها بعض شعوب المنطقة وتكبدها الشعب الأميركي، ومن جراء تدهور المنطقة نحو مستقبل مجهول، ومن جراء خلق ظروف مواتية لنشوء حروب أهلية عديدة في المنطقة لا أحد يستطيع تقدير تداعياتها. فهنالك توجه واضح نحو عسكرة المواقف السياسية لدى دول عديدة في المنطقة في ظل ظروف تتراجع فيها قدرات الولايات المتحدة وحليفتيها للإمساك بخيوط اللعبة التي أوشكت على الخروج عن حدود المسرح الذي صمم لاستيعابها.

لقد فشلت الإدارة الأميركية في توقع ما سوف يحدث في فلسطين وفي لبنان عندما بدأت إسرائيل تدميرها المبرمج لهذين البلدين بمباركة أميركية بريطانية، إذ حصل عكس ما كانت تتوقعه، فقد برز حزب الله كقوة أكثر شعبية في لبنان بالرغم من الدمار الهائل الذي ألحقته إسرائيل بلبنان، ولم تسقط حركة حماس أو تخسر مواقعها لدى الشعب الفلسطيني في ضوء التدمير الذي ألحقته إسرائيل في المؤسسات الفلسطينية في غزة أو قيامها باعتقال عدد من قيادات حماس. وكان من نتائج ذلك تراجع العديد من القيادات الأوروبية عن موقفها السابق بحجب أموال المساعدات للحكومة الفلسطينية، وذلك من منطلق الرغبة في الحفاظ على ما لديها من تقدير في العالم العربي.

ولعل القادة الإسرائيليين قد بدأوا يرون بأن مساندة الولايات المتحدة غير المحدودة لهم لا تقدم ضمانة أمنية لبلدهم على الأمد البعيد، بل قد تسهم في تضليلهم وتدفعهم إلى الاطمئنان بأن إسرائيل قادرة على شن هجمات تدميرية كبيرة الحجم دون أن تتحمل من جراء ذلك خسائر سياسية ودبلوماسية عالمية.

أما في أفغانستان فقد فشلت السياسة الأميركية في تحقيق أهدافها، وجاءت بنتائج عكسية، حين بدأ الأفغان يرون بأن القوات الأجنبية في بلادهم قد أسهمت في قتل الكثير من الأفغان، سواء من ينتمون إلى طالبان أو غيرهم، فشكلوا جبهة عريضة تضم عشرات الآلاف، الكثير منهم كان من المعادين سابقاً لحركة طالبان وكان لاجئاً في الباكستان وذلك حسب ما أشار إليه الممثل الخاص للأمم المتحدة في كابول في أغسطس المنصرم، رغم أن الولايات المتحدة تختزل هذا الطيف المتنوع في انتماءاته لتطلق عليهم جميعاً صفة الانتماء إلى تنظيم القاعدة، مانعة بذلك أية محاولة لاحتواء بعضهم. وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة، منذ مايو المنصرم، العمليات المناوئة للوجود الأجنبي ليصبح بعضها عمليات انتحارية في العاصمة كابول، وهي عمليات كانت نادرة الحدوث في أفغانستان، مما دفع حلف الأطلسي إلى اتخاذ خطوات فورية لزيادة عدد قواته هناك.

وتبقى الساحة العراقية هي الأكثر أهمية في دلالاتها على مدى عجز القوة العسكرية الأميركية من تحقيق إنجاز يذكر، فمنذ تشكيل حكومة المالكي في مايو المنصرم، والإعلان بأن من أولوياتها النجاح في الملف الأمني وحل المليشيات المسؤولة عن القتل اليومي للمئات من المواطنين على الهوية المذهبية، فشلت جميع الخطط الأمنية التي وضعت بالتعاون مع قوات الاحتلال في وضع حد لنهر الدماء المتدفق في العديد من المدن العراقية وخاصة العاصمة بغداد. مما دفع الإدارة الأميركية إلى المزيد من الإيغال في سياسة استخدام القوة وزيادة عدد قواتها كما ورد في محاور الاستراتيجية الأميركية الجديد في العراق رغم كثرة الأصوات التي تعترض عليها.

وكان من نتائج هذه السياسة القصيرة النظر التي اعتمدتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أن تمكنت قوى إقليمية من التغلغل إلى مناطق الأزمات المشار إليها موسعة بذلك من حلبة الصراع ومضيفة لاعبين جدد صعبي المراس، دفعت الأزمات القائمة إلى المزيد من التعقيد، وحشرت الحلول المحتملة لها في زاوية ضيقة، وأضافت المزيد إلى الضباب الذي يغلف مستقبل المنطقة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae