صار واضحاً تماماً أن الرياضة لم تعد ترفاً ولا وسيلة لتمضية وقت الفراغ، لم تعد شغل من لا شغل له، لم تعد شيئاً يتسلى بها بعض الصبية في الأزقة، أو كثير من الشباب في الأندية، صار واضحاً أنها دخلت في صلب العلوم الاجتماعية كثقافة وسلوك له دلالاته ومؤشراته.

إضافة لكونها بورصة نجوم وأندية ومباريات، ومهرجاناً وسوقاً عالمية، فحين ينزل إلى أرض الملعب أحد عشر لاعباً يمثلون فريقاً عالمياً عريقاً أو منتخباً قوياً فإن المسألة تخرج من كونها فرجة على مجموعة نجوم محترفين يقدمون لعباً محترفاً، المسألة تصير ساعتها محسوبة بمليارات الدولارات وبحسابات أخرى أهم تدخل في عمق الانتماء والشرف الوطني.

في تاريخ كرة القدم، صنعت اللعبة الأشهر عالمياً من أسماء كثيرة نجوماً سرعان ما تحولت إلى رموز وطنية في بلدانها، بعض هؤلاء أطلقت عليهم الصحافة أوصافاً وصلت درجة البطولة القومية، كما حدث مع «زين الدين زيدان» عام 1998 حين أوصل بلاده فرنسا لنهائي البطولة العالمية، وحين أحرز لها اللقب الدولي وحمل باسمها كأس العالم. في تاريخ كرة القدم الخليجية انحصر لقب بطل كأس الخليج في دول معينة:

الكويت، السعودية، العراق، وبقينا هنا في الإمارات عقوداً نتابع مباريات المنتخب وصولات نجومه الكبار في الثمانينينات والتسعينات، لكن دون ان نتمكن من تحقيق صرخة الفرحة الكبرى، فرحة الفوز بكأس الخليج أو أية بطولة إقليمية أخرى، وكانت لذلك أسباب كثيرة ومتشابكة ويطول شرحها.

في مساء يوم أمس الأول الثلاثاء في الثلاثين من شهر يناير لعام 2007 صمم أفراد الكتيبة البيضاء في منتخب الإمارات على تغيير الصورة، وقالت الجماهير «الكأس إماراتي» واستجابت الأرض لتصميمهم ولعبت مع أصحابها، وكتب تاريخ الكرة نتيجة تأخر وتأجل إعلانها لأكثر من ثلاثين عاماً.

اليوم وبلا مبالغة منحت الجماهير للاعبها المعجزة الداهية إسماعيل مطر ما منحته فرنسا لبطلها زين الدين زيدان، اليوم إسماعيل هو بطلنا القومي بكل جدارة وأصحابه في الكتيبة يستحقون كل أوسمة الاستحقاق وكل دموع الفرح التي ذرفت، وكل أغنيات الفوز التي صدحت وكل تظاهرات الانتشاء التي نظمت وطافت شوارع الدولة.

ما من شيء يعدل الفرح ويساوي لذة السعادة بارتفاع اسم الإمارات عالياً مالئاً كل السماوات ومحتلاً كل القلوب والحناجر، لا مبالغة في التعبير عن الفرح كما يعتقد البعض، فكلنا بحاجة إلى هذا الفرح وسط كل هذه الأخبار المحزنة التي تنهال علينا من كل مكان، لا مبالغة في مظاهر الفرح، فقد كان الجميع في انتظار هذه اللحظات منذ سنوات طويلة.

منذ أن كنا صغاراً على مقاعد الدراسة ونحن نحلم بهذه اللحظة، لا مبالغة فالرياضة والرياضيون استطاعوا في كل الدنيا أن يحلوا إشكالات معقدة وأن يحققوا لأوطانهم إنجازات عظيمة، لا مبالغة فأمام مفهوم الأوطان لا وجود للحدود والتعقيدات، الكأس كأس الوطن، والفرح فرح الوطن، وكلنا عشاق لهذا الوطن، وطني الإمارات سلمت للمجد والعزة دائماً.

sultan@dmi.gov.ae