ربما يندهش البعض من العنوان .. ومعهم حق، فقد أنستنا سياسة البيت الأبيض طيلة الأعوام الستة الماضية كل شيء جميل و جيد وإنساني في الولايات المتحدة الأميركية، ونسينا مع هذه السياسة الوحشية والعدوانية كل ما قدمته الدولة العظمى الأميركية من إنجازات علمية وصناعية وثقافية وفنية أثرت بالتأكيد الحضارة والتراث البشري وبقدر يفوق بكثير مساهمات دول كبيرة أخرى.

لقد أتيح لي مساء السبت الماضي أن أشاهد أمسية فنية رائعة وممتعة قدمتها فرقة أميركية قدمت من برودواي في نيويورك إلى الشرق الأوسط لتقدم مختارات من الأوبرا والموسيقى العالمية .ومن روائع مسارح «برودواي» الفنية الجميلة، وللأسف الشديد أن العالم لا يعرف من فنون وإبداعات الأميركيين سوى ما تقدمه هوليوود من أفلامها التي يغلب على معظمها نزعات الشر والعنف والوحشية وتخلو من أي روح فنية إبداعية أو إنسانية.

ولا أدري لماذا تفضل أميركا أن تكون أفلام هوليوود البشعة هي وجهها الثقافي والفني للعالم بينما لديها روائع مسارح برودواي الفنية العظيمة التي تعكس بالفعل الوجه الجميل للمشاعر والإبداعات الإنسانية الراقية. لقد كانت بالفعل سهرة ممتعة استضافت فيها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي هذه الفرقة الأميركية القادمة من نيويورك.

والتي أمتعت الجمهور بمقطوعات من أشهر عروض الأوبرا العالمية مثل أوبرا لفيردي و موتسارت وبيزيه و رحمانينوف و شتراوس وغيرهم، وكذلك مقطوعات من أوبريتات أميركية لم نسمع عنها من قبل لكنها بالفعل لا تقل روعة وجمالا عن الموسيقى العالمية المعروفة للجميع.

لقد نسينا تماما ونحن نستمتع بالأداء الرائع للمطربين والمطربات الأميركيين والعزف الساحر على البيانو أن هذا الإبداع الفني الجميل أتانا من المكان الذي يطلقون عليه الآن في معظم أنحاء العالم اسم «إمبراطورية الشر»، هذه الإمبراطورية التي بدلا من أن يفخر قادتها وسياسيوها بأن لديهم هذه الإبداعات الإنسانية الرائعة، وبدلا من أن يفخروا بما قدمته بلادهم للعالم كله من إنجازات علمية في كافة المجالات نجدهم يذهبون ليفتخروا بمئات الآلاف من قتلاهم في مختلف دول العالم وبراجمات الصواريخ القاتلة وبالمشانق والمذابح والدمار والخراب.

ربما يكون الخطأ منا نحن لأننا نتعامل مع الشعوب الأخرى بمعايير سياسية وفق ما يفعله القادة السياسيون، وهذا في حد ذاته خطأ كبير لأن غالبية القادة والسياسيين نجدهم في صفحات التاريخ السوداء، بينما تنفرد الصفحات البيضاء بقليل من الساسة وكثر من الأدباء والفنانين المبدعين الذين يعملون من أجل الإنسانية جمعاء.

ولا يستحي الفنان الأميركي أن يقدم روائع فنانين من دول وشعوب أخرى لأنه يضيف إليها إبداعاته وأداءه الرائع ليقدمها في شكل فني جميل يفهمه ويتقبله البشر جميعا، بينما يمتلك الكبر والغرور الحاكم السياسي لدرجة أن يتصور أنه يأتيه الوحي من السماء فيتوهم أن الشعوب الأخرى ليست بشرا مثل شعبه ولا تستحق الحياة.

ويتمنى العالم الأميركي أن يخرج اختراعه للإنسانية جمعاء بينما يفكر الحاكم المغرور في كيفية استغلال هذا الاختراع لدر أكبر قدر من الربح المادي أو في استغلاله لتدمير الآخرين، وبينما يخشى الأديب والكاتب الأميركي الذي يحمل أمانة الكلمة أن يلعنه التاريخ الإنساني لأنه نافق حاكما شريرا أو ظلم شعوبا بريئة، فإن الحاكم الظالم المستبد لا يهمه أن يخدع شعوب الأرض كلها بما فيها شعبه هو من أجل تحقيق طموحاته واستراتيجياته الشريرة.

لقد التهبت أيدي الجمهور بالتصفيق للفنانين الأميركيين الذين وقفوا في نهاية الحفل مندهشين ومبهورين بالاستقبال الحافل من جمهور من العرب الذين يصفهم لهم رجال السياسة في البيت الأبيض بأنهم إرهابيون وقتلة لا يستحقون الحياة.

وربما لم يتوقع الفنانون الأميركيون أن يستقبل العرب هذه المعزوفات الكلاسيكية من الموسيقى والأوبرا العالمية بهذا الترحيب الكبير، فما كان منهم إلا أن عادوا ليقدموا بعد ختام الحفل أغنية رائعة تحمل كل معاني الحب والود والمشاعر الإنسانية الراقية للجمهور العربي الذي استقبلهم بكل الحب والود والإعجاب والتقدير.

شكرا لمؤسسة سلطان العويس في دبي على هذه السهرة الرائعة، وشكرا للفنانين الأميركيين الرائعين على هذه اللحظات الجميلة التي قضيناها معهم والتي نجحوا فيها باقتدار في أن ينسونا الوجه البشع لأميركا ويقدموا لنا الوجه الإنساني الجميل الذي نتمنى أن تتعامل به كل شعوب الأرض مع بعضها البعض بغض النظر عن جرائم ووحشية وحماقات بعض السياسيين.

elmoghazy@hotmail.com