طرقت الولايات المتحدة ومعها الحكومات العربية الباب الخطأ للتحدث في المنطقة، فركزت على ما هو أخلاقي ـ قيمي فيما هي تعرف أن العملية في جوهرها اقتصادية ـ اجتماعية. كما اختارت الطريق الأسهل التي تفضي إلى حلول شكلية للصراعات القائمة وعلى رأسها الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهي تعلم علم اليقين أن الحلول الحقيقية تقتضي إعادة الحد الأدنى من الحقوق العربية لأصحابها، غير أن طريق الحل وعرة وطويلة وتقتضي تنازلات وضغوطاً على الطرف الذي تحابيه وتسانده على امتداد العقود الماضية.
والتوجه الأميركي هذا ليس ناجماً عن غفلة أو قلة معرفة فهي تعرف عبر مراكز أبحاثها وعبر عيونها المنتشرة في المنطقة وعبر تحاليل المضامين التي تجريها للخطاب العربي الرسمي والشعبي أين توجد العقد المستعصية، وما هي طرق حلها، لكن من قال إن واشنطن تريد إحداث نقلة حقيقية تغير وجه العالم العربي من التخلف إلى التقدم، ومن الضعف إلى القوة.
ومن يستطيع أن يجزم أن النخبة الأميركية الحاكمة لا ترى في نهضة العالم العربي وافاقته من الغيبوبة التي يعيش فيها تهديداً لمصالحها ومصالح من تحالفه من النخب العربية.وإذا كانت نتائج العملية الديمقراطية (وهي بوابة كل تغيير إيجابي) لم توافق الهوى الأميركي، فإلى أي شيء يمكن أن تفضي رغبات واشنطن وحلفائها الغربيين؟
أغلب الظن أن النصائح الأميركية المبنية على دراسات مزيفة ومراكز استشارية مغرضة لا تمثل غير جبل من الأكاذيب، فتفكيك بنى الدول وإجبارها على رفع يدها عن الاقتصاد ليست إلا وصفة لانهيار محتوم، فخصخصة الاقتصاد لا تصلح إلا لمجتمعات مستقرة يسود فيها حكم القانون ويؤمن استقرارها تداول السلطة.
كما أن العبث بمناهج التعليم وإفراغها من محتواها الحضاري والديني لا يقود إلى بناء أجيال متحضرة بقدر ما يقود إلى أجيال مشوشة تبحث عن طريقة لإثبات هويتها فتخرج عن السائد والمعقول وتمثل في المستقبل خزاناً بشرياً ضخماً لأي حركات متطرفة.
الطريق إلى النهوض معروف ويمكن الاستدلال عليه عبر إشراك العقول الفذة العربية (وهي ليست قليلة على أي حال) في تصميم خريطة طريق للمستقبل تحلق بجناحي التعليم والتصنيع.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن هناك اقتصادات عربية ناهضة لكن يعيب هذا النهوض قلة التنوع، فأغلبها قائمة على الاقتصاد الخدمي،، ويعيبه كذلك أنه مهما بلغ لا يوفر للبلدان التي تتبناه اكتفاءً ذاتياً من السلع الاستراتيجية ومن ثم يمكن لأي حالة قطيعة مع الخارج أن تجعل كل شيء ينهار في لحظة.
نعم نحن نمتلك البترول الذي يمثل عصب الصناعة الغربية لكنه في ضوء التردي الذي نعيشه يوشك أن يتحول إلى نقمة بدلا من أن يكون نعمة ونمتلك الموقع الاستراتيجي الفذ الذي حول منطقتنا إلى قلب للعالم، ولكن بدلاً من أن يكون ذلك باب تلاقح للحضارات جلب علينا أطماع الصغار والكبار منذ القرن السادس عشر وحتى الآن وتسبب في جلب الاستعمار بكل أشكاله (سياسي واقتصادي وثقافي وعسكري) وحول العالم العربي إلى منطقة صراع بالأصالة حيناً وبالوكالة أحياناً أخرى.
نحن أمة في خطر إن لم نفق من الغيبوبة التي نعيشها فإن نفس مصير الهنود الحمر يتهددنا، فباب الإبادة يمر اولا عبر محو الهوية وتغيير الثقافة السائدة ونزع كل أسباب القوة بدءاً بحظر تسليح غير معلق وانتهاءً بفرض مناهج تعليمية تخلق أجيالاً ضائعة تتخبط في الظلمات.
العالم العربي بحاجة إلى معجزة، لا تأتي عبر روشتة أميركية مغشوشة ومفروضة وإنما عبر استيعاب علوم العصر والاستفادة من تجارب الآخرين، وطريق النهوض وعرة وشاقة ولا تحدث طفرات في أعوام قليلة، فأي بناء متين يحتاج إلى سنوات من الكدح والمشقة، لا أظن العالم العربي بحالته هذه قادر على قطعها.
magdishendi@hotmail.com