بدأت موسكو في تنفيذ مشروعها الذري منذ عهد ستالين خلال الحرب العالمية الثانية. وقد دفع قيام الولايات المتحدة في عام 1945 بقصف مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين القيادة السوفييتية إلى منح الأولوية للمشروع الذري، حيث قررت هيئة الدولة للدفاع تشكيل دائرة للشؤون النووية أطلقت عليها تسمية «الإدارة العامة الأولى».
وقد كانت القيادة السوفييتية آنذاك تعمل على تصنيع سلاح نووي سوفييتي. وقام الاتحاد السوفييتي في عام 1949 بإجراء أول تجربة للأسلحة النووية. وظهر المشروع الروسي النووي بشكل رسمي عام 1952، عندما اصدر مجلس وزراء الاتحاد السوفييتي قرارا بتأسيس مركز أبحاث لاستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية وإنتاج الأسلحة الذرية، وتولى ادارة هذا المركز الأكاديمي الروسي المعروف نيكولاي دوليجال.
وقد شهدت مدينة اوبنينسك الواقعة في مقاطعة موسكو منذ 50 عاماً تشغيل أول مفاعل ذري في العالم لتوليد الطاقة الكهربائية. وقدم المركز العديد من المشروعات والدراسات التي أسفرت عن تصنيع مفاعلات نووية للغواصات الروسية، وتشييد محطات توليد الطاقة الكهروذرية في سيبيريا.
ومنذ ذلك الحين أصبح الاقتصاد العالمي يعتمد كثيراً على صناعة الطاقة الذرية، ويتنامى اعتقاد لدى العديد من الباحثين أن الطاقة النووية هي الوحيدة قادرة على تلبية الاحتياجات المتنامية بشكل سريع للبشرية، بل إن حياة الإنسان ورفاهيته التي باتت مرتبطة باستهلاك كميات هائلة من الطاقة، تتطلب الانتقال لاستخدام الطاقة الذرية.
وتكشف الإحصائيات العالمية عن أن استهلاك الطاقة يتنامى بشكل كبير، بل ويزيد عن نمو تعداد سكان الأرض ليتضاعف مع حلول عام 2050. وإذا كان الاستهلاك المكثف للمواد الهيدوركربونية لا يؤدي فقط إلى الاستنزاف السريع للثروات الطبيعية وإنما أيضا إلى عواقب بيئية كارثية، باعتبار أن تزايد استهلاك المواد الهيدوركربونية سوف يؤدي لزيادة كميات غاز(ثاني أكسيد الكربون) الصادرة عنها، ليصل حجمه في الجو خلال عام 2050 إلى حوالي 11 مليار طن في السنة، مما سيكون السبب الأساسي في اشتداد ظاهرة الاحتباس الحراري. حيث تعتبر مهمة مضاعفة توليد الطاقة الكهربائية من 150 مليار كيلوواط/ ساعة حالياً إلى 300 مليار كيلوواط/ ساعة خلال عام 2020، المهمة الرئيسية ضمن مهام «إستراتيجية روسيا في مجال الطاقة».
وكان اتحاد شركات الطاقة الذرية الروسية قد أشار إلى أن الإنتاج السنوي لمحطاته للطاقة الذرية يصل إلى 157 مليار كيلوواط/ ساعة. ويعمل في محطات الطاقة الذرية الروسية العشر حوالي 30 مفاعلا بطاقة 22242 ميغاواط.
ولا تتوقف أهمية الطاقة النووية عند هذا الحد، وإنما تعتبر الأداة الرئيسية لإنقاذ العالم من أزمة تناقص مياه الشرب التي بدأت تتفاقم في منطقة الشرق الأوسط وتتحول لسبب أساسي في النزاعات الإقليمية، إذ من غير الممكن تجديد احتياطي مياه الشرب إلا بواسطة مصانع ذرية عائمة لتحلية المياه.
وإذا كانت إستراتيجية موسكو النووية خلال العهد السوفييتي تستهدف استخدام الطاقة النووية في تصنيع الأسلحة المتطورة التزاما بمبدأ الردع المتبادل في حماية المصالح السوفييتية، إضافة إلى استخدام الطاقة النووية في أغراض سلمية ضمن السوق السوفييتي (أو سوق المعسكر الاشتراكي) لتوفير الإمكانات المادية والتقنية لتطوير مستوى الإنتاج والمعيشة في هذه البلدان، فإن هذه الإستراتيجية تغيرت عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وفي ظل الحالة السيئة للترسانة العسكرية الروسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، إضافة لتخلي موسكو عن مفاهيم الحرب الباردة اضطر الكرملين إلى وضع خطط لتفكيك الأسلحة النووية التي بدأ ينتهي مفعول تأثيرها، وهو ما يتطلب تمويلاً هائلاً.
خاصة بعد أن أصبحت عملية تفكيك الغواصات النووية تتطلب تكاليف باهظة تصل إلى 5 ملايين دولار لتفكيك الغواصة النووية الواحدة. وكان قد تم سحب 193 غواصة نووية من الخدمة في الأسطول البحري الحربي الروسي لم يجر إفراغ محتويات 72 منها من الوقود النووي المستخدم. وبقيت منها 99 غواصة نووية غير مفككة. وتستطيع روسيا في العام الواحد إفراغ الوقود النووي المستخدم من 15 غواصة نووية وتفكيك 15 غواصة أخرى.هذا الوضع دفع موسكو باتجاه البحث عن مصادر تمويل أخرى غير المنح والتبرعات التي أعلن مراراً عن نوايا الغرب على تقديمها لروسيا دون أن يقوم بذلك.
وأصبحت الطاقة الذرية أحد السلع التي يمكن أن تحقق عائدات للخزينة الحكومية الروسية،وأصبح دخول روسيا إلى سوق الطاقة الذرية العالمي من ابرز مهمات الحكومة الروسية، التي لجأت لعدة سبل سعت من خلالها أن تصبح موسكو من مجموعة مصدري الطاقة الذرية للدول المستهلكة.
وكانت محاولة موسكو الأولى لدخول السوق العالمي لإنتاج وتسويق الطاقة النووية لاستخدامها في أغراض سلمية في أواخر القرن الماضي عندما اقترحت بناء المفاعل النووي الحراري الذي يستغل الطاقة النووية الناتجة عن اندماج نوى خفيفة مثل نوى الهيدروجين أو نظيريه الديوتريوم والترتيوم. وفي عام 1992 تم تشكيل فريق دولي بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية لبحث الإمكانات المطلوبة لتنفيذ هذا المشروع.
وقدم خبراء معهد بيتربورج للرياضيات دراسات مفصلة ودقيقة حول ما يمكن أن يقدمه المفاعل النووي الحراري. ولا يمكن القول بأن هذا المشروع قد فشل إلا أنه مازال في طور الدراسات والأبحاث،التي يجب أن تسفر عن نموذج مصغر للمفاعل خلال السنوات المقبلة، يكشف عن الإمكانات الواقعية لتنفيذ المشروع وثماره.
وقد شهدت دائرة الطاقة الذرية الكثير من التحولات عقب انهيار الاتحاد السوفييتي إلى أن استقرت تحت تسمية الوكالة الفيدرالية الروسية للطاقة الذرية التي تضم 100 مؤسسة عاملة في هذا المجال في مختلف مناطق روسيا. ويعمل في مؤسسات الوكالة الفيدرالية للطاقة الذرية 335 ألف شخص في مجالات التنقيب عن اليورانيوم وإنتاجه إلى جانب المواد النووية الأخرى ومعالجتها وتخصيب اليورانيوم وتصنيع الوقود النووي.
كما تتولى الوكالة الفيدرالية الروسية للطاقة الذرية بناء المحطات الكهروذرية وتزويد المفاعلات بالوقود النووي وسحبه منها بعد استخدامه ومعالجته كيميائيا، وحفظ المواد المشعة والنفايات النووية. وتتميز الوكالة بوجود طاقات بشرية علمية كبيرة تؤمن عملها في المجالات المذكورة، ومنهم 305 من أعضاء أكاديمية العلوم الروسية، وعدة آلاف من حملة الشهادات العليا.
وتقوم الوكالة الفيدرالية الروسية للطاقة الذرية بنشاط كبير في مجال التصدير وبناء المفاعلات النووية في بعض البلدان، بما فيها الهند والصين وإيران. كما تتولى الوكالة تصدير الوقود النووي إلى محطات الطاقة الكهروذرية في بلدان أوروبا الشرقية والغربية وبلدان رابطة الدول المستقلة، وكذلك خدمات تخصيب اليورانيوم.
كاتبة ومحللة روسية
