من يتابع التحركات والتصريحات السياسية على المستويين الدولي خصوصاً والإقليمي، بشأن مثلث الملفات الأكثر أهمية في المنطقة، فلسطين، العراق، والملف الإيراني، يمكنه أن يلاحظ بسرعة ويسر، أن ثمة فرصة جديدة وقوية لتحريك ودفع عملية السلام في الشرق الأوسط وأن ترتيب هذه القضية في جدول أولويات السياستين الأوروبية والأميركية، قد اتخذ مكانة متقدمة.
الدوائر الأوروبية بمختلف مستوياتها، وكذلك الأميركية تتحدث عن مثل هذه الفرصة وعن جملة من الوعود المبهمة، ولكن المشفوعة بحركة واسعة من الزيارات واللقاء، والاجتماعات التي لابد أن تفضي إلى توضيح الآليات التي ستحكم الحركة نحو إعادة تنشيط ودفع العملية السياسية.
فعدا عن إعادة تأكيدها وتأييدها للفكرة التي طرحها الرئيس محمود عباس، بالحاجة إلى فتح قنوات تفاوض سرية تسميها رايس غير رسمية، فقد شددت وزيرة الخارجية الأميركية على توفر فرصة كبيرة للشروع في مفاوضات فلسطينية- إسرائيلية، وإيجاد حلول للصراع بين الطرفين تفوق تلك التي توفرت في كامب ديفيد عام 2000، على حد تعبير رايس التي ترى أيضاً أن ذلك يعود إلى التغييرات السياسية التي طرأت على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء.
وفي شكل من أشكال المراجعة غير الرسمية، والتراجع عن تصريحات سابقة كانت رايس قد شددت خلالها على ضرورة تطبيق خارطة الطريق بدون حرق مراحل، عادت وزيرة الخارجية الأميركية لتدعو إلى «عدم التوقف أمام تنفيذ الالتزامات التي تقتضيها المرحلة الأولى من خارطة الطريق والولوج إلى مفاوضات أوسع حول الترتيبات الأمنية وشكل المؤسسات الديمقراطية في الدولة الفلسطينية العتيدة».
دعوة رايس تعني تجاوز المرحلة من خارطة الطريق التي تتطلب من الطرف الفلسطيني العمل على وقف ومحاربة ما تسميه واشنطن الإرهاب، وتفكيك بنيته، وسحب السلاح، ذلك أن الكل بات يعلم أن هذه القضية مستعصية واستمرار التمسك بها كمدخل لبقية المراحل إنما يعني تعطيل كل إمكانية للتقدم في تنفيذ الخارطة. وفضلاً عن ذلك، يترتب على رايس أن تقفز أيضاً عن أهم مطلب في المرحلة الثانية لخارطة الطريق والتي تتصل بإقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة، ذلك أن الرئيس الفلسطيني أعلن مراراً، ومؤخراً خلال لقائه مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في دمشق، عن رفض الفلسطينيين لهذه الدولة المؤقتة، ورفضهم للحلول المؤقتة مهما كان شكلها.
المنطق الذي تتحدث به رايس يذهب مباشرةً إلى المفاوضات بشأن قضايا الحل النهائي، خصوصاً وأن الإشارة إلى مفاوضات كامب ديفيد 2000، تعني في المضمون أن تلك المفاوضات الفاشلة التي استغرقت من الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وقتاً وجهداً طويلاً، كانت تدور حول قضايا الحل النهائي وهو ما يلبي المطلب الذي يلح عليه الرئيس محمود عباس.
على خط متداخل، أبدى المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا، قدراً عالياً من الاهتمام، مع اعتراف واضح، بأن المجتمع الدولي يتحمل المسؤولية عن مرور الكثير من السنوات، عانى خلالها الناس نتيجة سياسة إدارة الأزمات.
سولانا أكد أن الوقت قد حان لتغيير هذه السياسة، التي كانت متبعة والانتقال إلى مرحلة حل الأزمات والبدء بالعملية السياسية، مما يتطلب توفر إرادة سياسية، تظهر أولى مؤشراتها في توفر دفعة جديدة لعمل الرباعية الدولية، وللمرة الأولى يدعو سولانا إسرائيل إلى وقف جدار الفصل العنصري وتوسيع المستوطنات، قائلاً :«إنها عائق لعملية سلام دائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين»، مضيفاً أنه صدم أثناء جولة قام بها يوم السبت الماضي، العشرين من هذا الشهر، في مدن عربية تقع شرق القدس، تقع ضمن أراضي الضفة الغربية، جراء سرعة بناء المستوطنات والجدار الذي يقسم أراضي يريدها الفلسطينيون لإقامة دولة.
تصريحات واعترافات سولانا، تقدم رسالة سلبية للإسرائيليين، وتدق لديهم جرس إنذار قوي، فالتوسعات الاستيطانية، والمخاطر الناجمة عن استمرار بناء جدار الفصل العنصري ليست جديدة، ومن المؤكد أن المؤسسات الأوروبية والأميركية ومصادر القرار، تتابع ذلك عن كثب وتتوفر لديها منذ الكثير من الوقت كل المعطيات التي تتصل بالخروقات الإسرائيلية، غير أن الإدلاء بمثل التصريحات التي عبر عنها سولانا في هذا الوقت، إنما يؤشر إلى الجدية التي تتسم بها التوجهات الأوروبية الراهنة.
الرسالة العربية الرسمية للولايات المتحدة تحديداً وللمجتمع الدولي بشكل عام، أصبحت واضحة إلى حد كبير، إذ إن تأييد ودعم الإستراتيجية الأميركية في العراق والإقليم يستدعي من هؤلاء بذل مساعٍ حقيقية وجادة من أجل معالجة وحل ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، الذي يشكل جوهر الصراع في الشرق الأوسط، وبما يساعد الدول العربية على تجاوز الكثير من أزماتها والمخاطر التي تصدر نتيجة استمرار وتواصل الصراع.
على أن هذه الفرصة التي توفرها تغييرات هامة وقعت على المستويين الدولي والإقليمي، لا تعني بالضرورة أن تتحول من فرصة نظرية إلى فرصة حقيقية تدفع عملية السلام نحو النجاح في التوصل خلال فترة قريبة إلى حلول للصراع تتمتع بالقبول والثبات.
على صعيد إسرائيل، لا تقدم المؤشرات الصادرة عن حكوماتها ما يفيد أنها قادرة على دفع عملية السلام بما يتجاوز ما كان مطروحاً في مفاوضات كامب ديفيد في يوليو عام 2000. فلقد عادت حكومة أولمرت لتشكيل طواقم تبحث في تحديد المسار النهائي «لخطة الانطواء»، والمقصود خطة الفصل من جانب واحد في الضفة، بعد أن تم تنفيذها في غزة في سبتمبر 2005، وتم وضعها جانباً بصورة مؤقتة على ما يبدو، في سبتمبر 2006 ارتباطاً بنتائج فشل الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو من العام نفسه، وفشلها في الحرب على الفلسطينيين في الوقت ذاته.
إسرائيل تخيفها أية مبادرات دولية جديدة، تؤدي إلى تغيير آلية المفاوضات الثنائية والمرجعيات السابقة لعملية السلام، والتي كانت بما هي عليه تعكس المصالح الإسرائيلية، هذا فضلاً أن حكومة ضعيفة كالموجودة الآن برئاسة ايهود أولمرت، هي حكومة غير مؤهلة لركوب مغامرة التوصل إلى حلول سياسية صعبة، تحتاج إلى زعماء أقوياء يتمتعون بالجرأة والتأييد من قبل الجمهور. وقد أثبتت رحلة الصراع المديدة أن حكومة ضعيفة في إسرائيل هي حكومة خطيرة، من حيث إنها في الأغلب تلجأ إلى الحروب أو العنف المتطرف لتغطية عجزها.
الفلسطينيون الذين يقفون على الجانب الآخر من لوحة الصراع، هم أيضاً غير مؤهلين للخوض في عملية سلام تتطلب ظروفاً غير الموجودة، والتي تتميز بالانقسام السياسي، وتقدم لغة الحوار عبر وسائل عنيفة على حوار العقل، وفي ظل الكارثة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يتميز بها الوضع الداخلي الفلسطيني.
الساسة الفلسطينيون يدركون على الأرجح حقائق التطورات الدولية والإقليمية، لكن محصلة تعاطيهم مع الفرصة المتاحة في اتجاه امتلاك القدرة على تنشيط العمل السياسي بالقدر الذي يساعد على بلورة مبادرات دولية تخدم قضيتهم، تصطدم بتقدم الأجندات السياسية الفصائلية على الأجندة الوطنية، بل إن كل طرف يعتبر أن أجندته السياسية تتطابق مع الأجندة الوطنية مما يعني تجاهل الآخر، أو حتى إلغاءه.
وبدون التقليل من أهمية التوصل إلى حكومة وحدة وطنية في حال نجاح الحوار الجاري بين الفلسطينيين، فإن ذلك ليس من شأنه أن يقلص حدة الصراع السياسي بما يوفر إمكانية التحرك العربي المجدي، بل ربما التقدم نحو مبادرات سياسية دولية من غير المتوقع أن تلبي الحقوق الوطنية الفلسطينية، ربما التقدم في هذا الاتجاه يؤدي إلى اشتداد الصراع بين الرؤى الفلسطينية المختلفة.
في كل الأحوال فإن توفر هذه الفرصة لا يعني أن موازين القوى، والتطورات الجارية تتيح التوصل إلى تسوية تعيد الحقوق الوطنية الفلسطينية والعربية وفق قرارات الشرعية الدولية، مما يعني أن المنطقة قد تكون مقبلة على عرس صاخب من غير المرجح أن ينتهي إلى زواج ناجح.
كاتب فلسطيني
