المشهد العربي الراهن بائس ومأزوم، ذلك أمر لا ينكره حتى الأعمى، القضايا الرئيسية الكبرى تراجعت، وصار المطروح الآن على جدول أعمالنا صراعات مذهبية، أو عرقية، أو مشاحنات داخلية.
ومما يؤسف له أن الصراع بين الفرقاء العراقيين صار له الأولوية بدلاً من مقاومة المحتل الذي هو أصل المشكلة، نفس الأمر مع الفارق يحدث الآن في لبنان والسودان، وبصورة أسوأ في فلسطين، المنطقي أن توجه بندقية الداخل إلى صدر المحتل، لكن الحاصل أنها صارت مغروسة في جسد الشقيق والأخ.
لم يعد مقبولاً الجدل الآن بشأن من هو سبب المشكلة، كثيرون وبحسن نية يحملون الآخر أو الأجنبي أو المحتل أو المؤامرة الصهيونية مسؤولية ما يحدث، والغريب وأحياناً المضحك أن هؤلاء حسني النية يستميتون في إثبات صحة الدور الإسرائيلي أو الأميركي المتورط في تفجير كل مشاكلنا، وكأن المطلوب من العدو أن يحل مشاكلنا، صار معروفاً ومعلناً بوضوح أن العدو لا يخفي أهدافه، مسؤولون أميركيون كثيرون يطالبون بخروج قواتهم من العراق وترك الفرقاء يقتلون بعضهم بعضاً ويتناسون دورهم في إحداث الكارثة، أكثر من مسؤول إسرائيلي أعلن بوضوح أن مصلحة بلادهم العليا تتطلب إشعال صراع سني شيعي في المنطقة، بل ان بعضهم تبجح علناً بضرورة مناصرة السنة «المعتدلين» لمحاصرة النفوذ الإيراني.
وإذا كان المشهد بائساً فالخيارات أو السيناريوهات المطروحة على العرب أكثر بؤساً، الأميركيون وخلفهم الإسرائيليون يريدون من العرب الاصطفاف في حلف ضد إيران، طهران من جهتها تريد من العرب أن يتحولوا إلى تابع أو منطقة نفوذ استراتيجي تساعدهم في صراعهم الممتد مع «الشيطان الأكبر» وأعوانه، كلا الخيارين سيء، لأن النتيجة ستكون كارثية في كل الأحوال.
السيناريو الأول سيغرق المنطقة في صراع مذهبي، ويستدعي خلافات مذهبية موجودة بالفعل منذ حوالي 1400 عام، وسيعيد إنتاج نفسه بمسميات مختلفة، وقد لا ينتهي أبداً، والسيناريو الثاني «صعب التنفيذ» ستجد البلدان العربية نفسها في مواجهة العالم بأسره إذا انحازت إلى وجهة النظر الإيرانية.
وبصورة إجمالية فإن نجاح المخطط الأميركي الإسرائيلي أو حتى الإيراني في إشعال صراع مذهبي أو عرقي في البلدان العربية، سيكون نتيجته كارثية، لأنه ببساطة سيدمر الأخضر واليابس، وسوف ينهي للأبد القضية الفلسطينية، وسينتهي إلى تحول غالبية البلدان العربية إلى مجرد بلدات يديرها ضابط إسرائيلي صغير لمصلحة «المعلم الأكبر» في واشنطن.
هناك سيناريو وحيد يخرج العرب من مأساتهم الراهنة، أن يفكروا ولو لمرة واحدة ويدركوا أن مصيرهم بل وجودهم الفعلي مهدد بالانقراض وهويتهم مهددة بالذوبان إذا قبلوا بأي من المخططات الأجنبية أو الإقليمية الراهنة.
إذن لا بديل أمام العرب سوى أن يحزموا أمرهم ويتفقوا على سيناريو عربي، أو مشروع قومي يواجه الذئاب الجائعة التي لا تشبع سواء كانت في إسرائيل أو الغرب أو حتى ارتدت مسوحاً أخوية.
هذا السيناريو يحتاج تضحيات جمة، أولها أن تفكر بعض الحكومات بمنطق المستقبل وليس بمنطق الكرسي، ثم دور شعبي يثق في قدرته على التغيير، والأهم أن يضحي من أجل إحداث هذا التغيير.
بدايات التنفيذ للخروج من هذه الكارثة التي تستفحل كل يوم، هي استعادة العراق إلى حضن أمته، العراق بكل أطيافه ومذاهبه وأعراقه، شيعة وسنة وأكراداً ومسيحيين، كذلك لبنان والسودان وفلسطين، وتهدئة كل البؤر الساخنة في المنطقة.
والأهم أن تسعى البلدان العربية خصوصاً الفاعلة فيها إلى بلورة علاقات طبيعية مع إيران على قاعدة الجيرة والاحترام والتاريخ المشترك، علاقات لا تقوم على الهيمنة أو الاستقواء أو التخريب والوجه المزدوج، إيران باقية بجوارنا، والآخرون زائلون، وبالتالي تخطئ بعض الحكومات وبعض وسائل الإعلام إذا انساقت وراء اللعبة الأميركية الإسرائيلية في إشعال مواجهة عربية إيرانية أو سنية شيعية، لأننا سنكون نحن والإيرانيون الخاسرين معاً، ومن لا يصدق عليه استرجاع تجربة الحرب العراقية الإيرانية. لنفكر مرة واحدة في مصالحنا كعرب، الحقائق واضحة وساطعة كشمس أغسطس، العدو يجاهر بالعداء وبعضنا يراه حملاً وديعاً، هل وصل العمى ببعضنا إلى هذا الحد؟!
emadiraqi@yahoo.com