دلت الأحداث التي شهدتها تونس في بداية الشهر الحالي على ان خطر عنف الجماعات الأصولية لم يعد قاصرا فقط على الجزائر التي مازالت تعاني من عمليات الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وانما اصبح هذا الخطر ممتدا في كل دول المغرب العربي، من ليبيا الى الجزائر الى تونس والمغرب وايضا موريتانيا، حيث نفذت هذة الجماعة عمليات في كل هذه الدول.
وفيما يبدو فإن الجماعة الجزائرية التي تعد هي الأقدم زمنيا من حيث التأسيس هي التي تتولى قيادة هذه الجماعات التي تنتشر في مساحة خمسة ملايين كيلومتر مربع أو أكثر، وتتحرك كوادرها ضِمن حدود طولها ما يُقارب عشرة آلاف كيلومتر. وهذا الأمر يعني ان تنظيم «القاعدة» اصبح متواجدا في دول المغرب العربي بالنظر الى الأحداث التي شهدها الربع الأخير من العام الماضي عندما اعلن ايمن الظواهري في شريط مصور بث في الذكرى الخامسة لاعتداءات 11 سبتمبر عام 2001 انضمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية الى «القاعدة».
وقد اجاب امير الجماعة الأخيرة ابو مصعب عبد الودود على الظواهري في اليوم التالي من خلال نشر رسالة ولاء وعد فيها بالسير وراء بن لادن حتى الشهادة، وفصل فيها الأسباب التي دفعته الى الالتحاق بـ «القاعدة». وقد علق ماتيو جيدير مدير الأبحاث في المدرسة العسكرية الخاصة في سان سير في فرنسا على هذا الأمر في مقال له في شهرية اللوموند دبلوماتيك آنذاك بالقول ان هذا الالتحاق يجسد ديناميكية اكثر توسعا، تحدد الوجه العالمي الجديد للإرهاب الذي تقوم به جماعات اسلامية متشددة وهو : تمحور مجموعات مسلحة متجذرة بقوة محليا حول شبكة شاسعة خارجة عن نطاق الدول، وتلك ظاهرة تلعب فيها «القاعدة»، مهما كانت عملياتها العسكرية ضعيفة، دور المرجع الرمزي، والتي تشكل الحرب في العراق حاليا حافزها الأساسى.
فالبرغم من النجاحات التي اعلنت عنها الأجهزة الأمنية، لم يسبق لتنظيم «القاعدة» ان كان اقوى مما هو عليه الآن، كما ان هيمنتها الإيديولوجية على الحركات الأصولية في العالم الإسلامي تشهد تزايدا مستمرا. وكان المغرب العربي الذي بقي حتى وقت اعلان انضمام الجماعة السلفية للقاعدة، بمنأى نسبي عن هذا التحرك الشامل، فإن هذا الانضمام جعل معطيات اللعبة تتغير.
وحتى شهور قليلة خلت قبل هذا الانضمام كانت الجماعة السلفية تعاني من بوادر حالة انعدام وزن، خاصة انها تعرضت الى حملة حكومية مكثفة ادت الى اعتقال وقتل المئات من اعضائها حيث قدر عدد هؤلاء بحوالي 321 عنصرا من عناصرها خلال عام 2005 فقط، وهذا الأمر دفع بعض المراقبين الى اعتبار ان الهجمات القليلة التي تنفذها، ما هي إلا مؤشرا على امرين، الأول هو ظهور زعيم جديد للجماعة.
والثاني هو انها تريد ان تؤكد انها مازالت تشكل لاعبا رئيسيا في الأزمة الجزائرية. ويسوق اصحاب هذا الرأي القائل إنها كانت تعاني من ازمة وانعدام وزن دليلا اساسيا على وجهة نظرهم هو ان المؤشرات الاقتصادية اكدت ان الجزائر استعادت ثقة المستثمرين الأجانب خلال الربع الأخير من عام 2005، وذلك لم يكن ليحدث لو لم تكن الدوئر الاقتصادية الخارجية مقتنعة بزوال خطر التنظيمات الأصولية المسلحة.
وكانت احدى الوسائل الى اتبعتها الجماعة السلفية من اجل مواجهة الأزمة التي تواجهها ولكي تثبت انها مازالت لاعبا اساسيا في الساحة الجزائرية، تتمثل في المبايعة التي قامت بها هذه الجماعة لتنظيم «القاعدة» ولزعيمه وبذلك تصبح هذة الجماعة احد اعضاء تنظيم «القاعدة» من الناحية الرسمية، وهذا الأمر اعتبره العديد من المراقبين بمثابة محاولة من الجماعة لفك الحصار الذي فرضته عليها السلطة الجزائرية والحصول على دعم خارجي قد يفيدها في البقاء على الساحة بعد الضربات العديدة التي وجهت لها.
وكان هذا الانضمام بمثابة طوق نجاة لها خاصة وانها اكتسبت طابعا امميا بانضمام مقاتلين لها من كل دول المغرب العربي كما اعلنت جماعات اخرى سلفية في دول المغرب التنسيق معها، وآخرها جماعة التوحيد والجهاد .
كاتب مصري