أصبحت شركة «روس أوبورون اكسبورت» الروسية لتصدير السلاح تشكل مصدر رعب لتجار السلاح في العالم كله، وخاصة مجمع التصنيع الحربي الأميركي، هذه الشركة التي لم يمض على عمرها أكثر من ست سنوات حيث تأسست عام 2000 أصبحت تتحكم في كل صادرات مصانع السلاح والتقنيات العسكرية الروسية وذلك بعد أن منحها الرئيس الروسي بوتين في ديسمبر عام 2006 حق احتكار بيع السلاح الروسي للخارج.
وقد بلغت مبيعات الشركة عام 2001 نحو 3 مليارات دولار، وفي عام 2003 بلغت 75 .5 مليارات دولار، وفي عام 2004 بلغت 12 .5 مليارات دولار، وفي عام 2005 بلغت 2 .5 مليارات دولار، وفي عام 2006 تجاوزت 7 مليارات دولار، وأصبح للشركة مكاتب في أكثر من 55 دولة ولها تعاملات مع أكثر من 80 دولة، ولديها تعاقدات حتى عام 2008 تتجاوز12 مليار دولار.
وعلى ما يبدو أن الإدارة الأميركية لم تعد تحتمل نفوذ هذه الشركة في سوق السلاح العالمي الذي احتكر المجمع الأميركي الحربي الريادة فيه لأكثر من نصف قرن مضى، وقد أصدرت إدارة الرئيس الأميركي بوش في الأسبوع الأول من عام 2007 قرارا بفرض عقوبات جديدة على ثلاث شركات روسية لتصنيع وتصدير السلاح، وتشمل العقوبات حظرا على تعامل أي أشخاص أو جهات أميركية مع مؤسسة تصدير الأسلحة الروسية «روس أوبورون اكسبورت» ومصنعي تولا وكولومنا لتصنيع المعدات العسكرية، وبررت الإدارة الأميركية قرارها بأن هذه الشركات تتعامل مع أنظمة مارقة مثل إيران وسوريا وفنزويلا، وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن العقوبات ولم تعلم بها موسكو إلا من خلال وسائل الإعلام بعد أن نشرتها صحيفة «واشنطن بوست».
هذه العقوبات الأميركية هي الثانية في خلال عام واحد على الشركات الروسية لتصنيع وتصدير السلاح، فقد سبق أن أصدرت الإدارة الأميركية عقوبات مماثلة في أغسطس الماضي على شركة«سوخوي» بسبب بيع السلاح لفنزويلا، وعادت وألغت العقوبات على شركة «سوخوي» وأبقتها على «روس أوبورون»، وبصدد هذا القرار صرح المتحدث باسم الخارجية الأميركية للصحافيين بأن روسيا باعت لسوريا عام 2002 منظومات صواريخ من طرازي «كورنيت وميتيس» المضادة للدبابات، وأن القوات الإسرائيلية عثرت على هذه الصواريخ في لبنان في الصيف الماضي أثناء حربها مع حزب الله، وقال وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف أن إسرائيل تتهم روسيا بهدف إيجاد تبريرات لهزيمتها أمام حزب الله في لبنان.
العقوبات الأميركية ليست موجهة مباشرة للشركات الروسية، حيث أن شركة «روس أوبورون» لا ترتبط بأية عقود أو تعاملات مع شركات أميركية وليست في حاجة للسوق الأميركية ولا تفكر فيها، بل على العكس الشركات الأميركية هي المتضررة من هذه العقوبات،حيث أن البنتاغون الأميركي كان قد طلب أكثر من مرة من «روس أوبورون» أن تزوده بمنظومات روسية لحماية المدرعات من طراز «أرينا» التي تنتجها شركة كولومنا التي فرضت عليها واشنطن العقوبات مؤخرا، والبنتاغون يعلم أن هذه المنظومة الروسية هي أقوى منظومة لحماية الدبابات والمصفحات من الصواريخ الموجهة إليها.
ورغم أن القانون الأميركي يحرم على البنتاغون شراء أسلحة من خارج أميركا إلا أن البنتاغون استطاع الحصول على استثناء من الكونغرس للحصول على هذه المنظومة الروسية، ولم تتم الصفقة مع البنتاغون بسبب الخلاف حول الأسعار، لكن المباحثات مازالت سارية ولا ندرى مدى تأثير العقوبات الأميركية على هذه المباحثات، لكن الواقع يقول أن الشركات الروسية ليست في حاجة للتعاملات مع البنتاغون ولا مع أية جهة داخل أميركا ولديها من التعهدات مع الدول الأخرى ما يكفيها لعدة سنوات قادمة .
الروس يرفضون الاتهامات الأميركية ولا يجدون أي مبرر لهذه العقوبات سوى اشتعال المنافسة بين روسيا والولايات المتحدة في أسواق السلاح العالمية بعد أن تقدمت روسيا على كافة دول العالم وعلى الولايات المتحدة في أسواق السلاح العالمية خلال عامي 2005، 2006 وذلك باعتراف تقرير لجنة الدفاع والأمن في الكونغرس الأميركي في ديسمبر الماضي، وباعتراف تقرير الأمم المتحدة لمراقبة مبيعات السلاح في العالم.
وأيضا باعتراف معهد الدراسات الإستراتيجية في استوكهولم التابع لحلف شمال الأطلسي والذي جاء في تقريره في سبتمبر الماضي أنه رغم انخفاض أسعار التقنيات العسكرية الروسية عن مثيلتها في الغرب إلا أن الأرقام تشير لتفوق المبيعات الروسية عن نظيرتها الغربية، وتأتي أعلى المبيعات الروسية في السلاح لبلدين هما الصين والهند اللتان تستحوذان وحدهما على نحو سبعين في المائة من صادرات السلاح الروسي، وأيضا الجزائر التي وقعت مع روسيا صفقة سلاح في مارس الماضي قيمتها تصل إلى 4 .7 مليارات دولار على ثلاث سنوات، وهي الصفقة التي أثارت عاصفة من الغضب والقلق في الدوائر الغربية وأيضا في إسرائيل، خاصة وأن الصفقة تضمنت كميات كبيرة من الأسلحة القتالية الثقيلة.
في التاسع من يناير الجاري بعد قرار العقوبات الأميركية على الشركات الروسية بأيام قليلة صرح الخبير الإسرائيلي في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب «إيفتاح شابير» للصحافيين قائلا «إن روسيا تستعيد مواقعها كأكبر مصدر للسلاح في منطقة الشرق الأوسط وأسلحتها بدأت تغزو أسواق الخليج التي كانت مغلقة أمامها من قبل»، وأشار شابير إلى صفقات السلاح الروسية لإيران وسوريا والجزائر.
وقال إن الضغوط الغربية لم تعد تحقق أية نتائج مع شركات السلاح الروسية، وعبر شابير عن قلق إسرائيل البالغ من تزايد واردات السلاح الروسي لجهات تضمر الشر لإسرائيل ومنها تنظيمات إرهابية (على حد وصفه)، وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف رد على الإدعاءات الأميركية والإسرائيلية قائلا : «إن روسيا من أكثر الدول التزاما بتعهداتها الدولية، ولا تبيع أي أسلحة هجومية لأية دولة على عداء مع دولة أخرى، ولا يمكن أن تسعى لخلخلة الأمن والاستقرار الدوليين».
التقدم الذي حققته روسيا في سوق السلاح العالمي في العامين الماضيين سبب إزعاجا كبيرا لواشنطن، والعقوبات التي تفرضها الإدارة الأميركية على الشركات الروسية رغم أنها لا تلزم سوى الجهات الأميركية، والتي لا تتعامل معها الشركات الروسية، إلا أن واشنطن تهدف من ورائها الضغط غير المباشر على الدول الأخرى لتفهم أن واشنطن غير راضية عن زيادة انتشار السلاح الروسي في هذه الدول، و العقوبات الأميركية ما هي إلا محاولات لإزاحة روسيا من السوق العالمية للتقنيات العسكرية، وذلك لعدم قدرة شركات السلاح الأميركية على منافسة أسعار السلاح الروسي.
كما أن الشركات الأميركية لا تبيع أسلحة حديثة إلا لعدد محدود جدا من الدول الحليفة لها فقط، ولا توجد في الشرق الأوسط كله دولة تحصل على أسلحة أميركية حديثة سوى إسرائيل، وواشنطن تنتقم من روسيا بأسلوب بدائي للغاية بسبب تزايد نفوذها في السوق العالمية للسلاح، ولا شك أن العقوبات الأميركية لن تؤثر على مبيعات روسيا من التقنيات العسكرية التي تحتاج إليها دول عديدة وليست فقط الدول التي تعدها واشنطن إرهابية أو داعمة للإرهاب.
جامعة سيبيريا
