«حرب لبنان» التي استطاعت إطاحة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي دان حالوتس الذي قدم استقالته كأكبر ضحايا تداعيات فشل هذه الحرب، فشلت عملية تثميرها في الداخل على صعيد تحقيق وفاق وطني راسخ بسبب إصرار الأكثرية على رفض قيام حكومة وحدة وطنية ما بعد العدوان تكون قادرة على توظيف الإنجازات التي حققتها وحدة الشعب اللبناني في التصدي والصمود، ما جعل الأزمة السياسية تتفاقم وتبلغ حافة الانفجار.
قدر لبنان أن يكون رقماً صعباً في خضم حسابات إقليمية ودولية بالغة التعقيد وقصوى في حديتها واستقطابها، وهي حسابات انعكست على أجندة التيارات السياسية المختلفة في لبنان مؤدية إلى فرز حاد ألقى بظلاله القاتمة على الوضع السياسي الداخلي مفضياً إلى مزيد من التوتر والاحتقان الذي كان استخدام الشارع أحد تجلياته الخطرة والحادة.. وهي ذات الحسابات التي أولجت لبنان في حرب مباغتة وفادحة، سواء لكلفتها الإنسانية الباهظة والمؤلمة أو لجهة آثارها الاقتصادية التي أعادته السنوات إلى الوراء.
ويفقد لبنان، من خلال مواصلته سياسة التجاذب الداخلي، ورقة استقالة حالوتس التي كان يمكن استخدامها لتحسين موقع لبنان الإقليمي والدولي نتيجة اعتراف إسرائيل بفشلها في حرب يوليو، بالعمل على خلق توافق داخلي والاستثمار في الهزة الداخلية الإسرائيلية.
ان نتائج الحرب العدوانية على لبنان ومقاومته لا بد ان لها الكثير من التداعيات على الكيان الإسرائيلي وجيشه، مع ان هذا الجيش قد حاول ان يتمظهر بغير حقيقته ما بعد الحرب مدعياً الكثير من الإنجازات، وليس أدل على ذلك من تصريحات حالوتس ذاته سابقا عن تمسكه بمنصبه وانه سيغادر حينما يطلب منه ذلك المسؤولون عنه أو لجنة «فينوغراد» للتحقيق في إخفاقات الحرب. وعلى ما يبدو فربما حصلت مستجدات لم يكشف عنها حالوتس أدت به للتوصل إلى قرار الاستقالة، قبل أن تقدم لجنة فينوغراد تقريرها الأولي.
استقال حالوتس لأن «لعنة لبنان» أصابته. فقد سقط بعد أكثر من خمسة أشهر على انتهاء الحرب، مقدما استقالته في خطوة تعتبر استباقية لنتائج لجنة التحقيق الإسرائيلية في بحث أسباب ومسببات الإخفاق في الحرب على لبنان التي تصل لحد الهزيمة، وهكذا قدم رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال رأسه ثمناً للإخفاق في العدوان، مستبقاً تقرير لجنة» فينوغراد» الذي من المقرر أن يصدر بعد أسبوعين، وفي ما قد يشكل «كرة ثلج» تدحرج رؤوساً كثيرة في إسرائيل. ابتهج اللبنانيون بتدحرج رأس رئيس الأركان الإسرائيلي. كانوا متشوّقين إلى مثل هذا الاعتراف بأن التضحية أثمرت. إلا أن فرحتهم لم تكتمل بعودة مسلسل الاحتقان الداخلي والصراعات السياسية بين الحكومة والمعارضة حول هرم السلطة.
وإذا كان الواقع الإسرائيلي، ومن خلال لجنة التحقيق، قد توصل إلى الكثير من الحقائق لأسباب الهزيمة في لبنان، وتقديم قائد أركان الجيش دان حالوتس استقالته وإعلان مسؤوليته الكبيرة عن الهزيمة، فإن الواقع اللبناني لا يزال مغايرا كليا للحقيقة، فماذا يمكن أن نصف به الحالة اللبنانية الرسمية اليوم في ظل عدم وقوف الساسة والحكومة والمعارضة عند مسؤولياتهم كما يتضح من استمرار المشهد في بيروت على حاله دون اعتراف أية جهة بخطئها، في حين لا يزال الشارع اللبناني يدفع ثمن هذه الصراعات وسط انهيار امني كبير!
أعتقد أن لبنان بحاجة هو الآخر للجنة تحقيق تبحث في أسباب استمرار الاحتقان الداخلي وأسباب عودة مسلسل الاغتيالات السياسية، واعتقد أيضا أن لبنان بحاجة لاستقالات أو إقالات بما يساهم في مواجهة الفشل الذريع في خلق الإجماع حول مشروع موحد بين كل التيارات اللبنانية.
اللبنانيون اليوم مطالبون قبل أي شيء بتثبيث شرط واحد وصارم يكون سقفاً لمواقفهم وتحركاتهم.. وقاعدة وحيدة لكل ما يصدر من مواقف سياسية عن جميع أطياف الشارع السياسي.. وما هذا الشرط سوى أن يرفع الجميع شعار «لبنان أولاً وقبل كل شيء». بهذا الشرط فقط ستتنفس بيروت الصعداء أخيراً وتنقشع الغيوم الكالحة عن سمائها، وسيستعيد اللبنانيون بلدهم من غمرة الحسابات والأجندة المستوردة.. وحين يكون الهم اللبناني والصالح اللبناني هدف الجميع وخطا احمر لا يمكن تجاوزه.
benhadnal@yahoo.fr