يبدو أن الأزمة الحكومية المفتوحة في لبنان طويلة ولا تظهر في الأفق حلول قريبة توفر على هذا البلد المزيد من المعاناة بالرغم من وجود العديد من الأفكار والمبادرات المحلية والعربية والدولية المطروحة لإنهاء هذه المعضلة المترنحة والمؤجلة.

لا يستطيع أحد أن يتهم فريقاً بعينه بتعطيل الحل في لبنان لأن القضايا أصبحت متداخلة على الطريقة اللبنانية بغض النظر عن المحق منها وغير المحق، بحيث بات مستحيلاً التوصل إلى صيغة ملائمة للجميع، لأن منطق الكيديات هو السائد مع العلم أن جميع الفرقاء والأطراف المعنية بالأزمة يعلمون علم اليقين أنهم محكومون بمنطق التسوية مهما طال الزمن أو قصر، وان التوافق هو حبل السرة الذي يشد إليه الجميع سواء استنجد هذا الفريق بالشارع لإسماع صوته أو سواء أوغل الفريق المستأثر بالسلطة إلى التمسك بالحكم والاستعصاء به وإقفال أذنيه عن مطالب الفريق المقابل والاستعانة بالخارج لتحسين شروطه التفاوضية في الداخل، وذلك على حساب الثوابت الوطنية التي يؤمن بها الجميع سواء في السلطة أو في المعارضة.

تستند المعارضة اللبنانية إلى منطق واضح ومفهوم، وأعطت السلطة كامل الوقت للدرس والتفكير والتحميص لكن السلبية كانت سيدة الموقف، والحكومة بالمقابل متمسكة بمنطق «اللعبة الديمقراطية» فهنالك أكثرية نيابية أفرزت أكثرية حكومية وعلى الجميع الانصياع لها والاحتكام إليها، ولكن الحقيقة إزاء ذلك تقتضي التوضيح وفتح مزدوجين ان هذه الأكثرية التي تتسلح بها الحكومة وتستقوي بها على المعارضة جاءت نتيجة تحالف سياسي وانتخابي مع الفريق الذي تخاصمه حالياً وتقف على النقيض معه، وانها لم تكن قادرة للوصول إلى هذه الأكثرية لولا تحالفها العضوي مع المعارضة ثم الانقلاب عليه، لهذا يقتضي المنطق الأخلاقي التوقف ملياً عند هذه المسألة عندما يتم الحديث عن «اللعبة الديمقراطية» لتبرير مفهوم الغلبة والانتصار.

والتمسك بالشرعية والدستور ودحض منطق الفريق المقابل الذي دعا إلى مشاركة منصفة له في الحكومة وإقرار قانون انتخاب جديد يحظى بموافقة الجميع وتنظيم انتخابات نيابية مبكرة تعزز قوى حقيقية غير مزورة وغير مفتعلة وان تبادر هذه الحكومة الجديدة لمساعدة المنكوبين نتيجة الاعتداء الإسرائيلي الوحشي في الصيف الماضي، وان يتم إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي لكشف قتلة المرحوم رفيق الحريري وجميع الجرائم التي سبقت وأعقبت هذه الجريمة البشعة بحيث لا يتم تعريض السيادة اللبنانية لأي اختراق كما يتم تأمين كامل الأجواء الوفاقية لانتخاب رئيس جمهورية جديد يحظى بموافقة الجميع وان يتم إطلاق نهضة اقتصادية واجتماعية عارمة.

وأخيرا أن يتم التفاهم على موضوع المقاومة وسلاحها، هذه المقاومة التي كانت ومازالت مثار إعجاب الجميع، واستطاعت أن تحرر الأراضي المحتلة من الاحتلال الإسرائيلي خصوصاً أن الأمين العام لحزب الله أكد في أكثر من مناسبة أن هذا السلاح لن يبقى إلى الأبد، وان هذا السلاح تم بحث مصيره على طاولة الحوار دون عقد ومن دون تعنت، لهذا فإن قيام حكومة وحدة وطنية يشارك فيها جميع الأطراف تكون بمثابة حكومة حوار دائمة، كما اقترح رئيس الحكومة اللبناني الأسبق سليم الحص.

بهذا المعنى يتم وضع النقاط على الحروف والتأسيس لمستقبل أفضل يكفل تخفيف هذه المعاناة التي تمسك بتلابيب الوضع اللبناني بدل المنافسة والتباري في كيل الاتهامات والشتائم بين الفرقاء والأطراف لأن هذا المنطق يؤدي إلى ما أدى إليه النزول إلى الشارع من زيادة نسبة الاحتقان بين الناس والمناطق ولا أعتقد أن عاقلاً في لبنان يتمنى أن يذهب لبنان إلى فتنة جديدة، والى حروب جديدة لا سمح الله إذ يكفي هذا البلد وشعبه ما تحمله من أزمات ونكبات وحروب بالواسطة.