النصر والهزيمة ثنائي يحتوي على نقيضين، كما هو الحال في ثنائي الموجب والسالب، أو الخير والشر، أو النور والظلام، أو الثنائي الأكثر أصالة لدى من يعتنق الفلسفة الكونفشيوسية، وهو ثنائي اليانغ والين، القوتان اللتان تتحكمان بسيرورة الكون، وهما وفق الفلسفة المذكورة لا يظهران في آن واحد، فوجود أحدهما يُغَيب وجود الآخر وإن أياً منهما لا يستطيع التغلب على الآخر غلبة نهائية، بل هما يتناوبان الحضور في سيرورة الأحداث.
إلا أن الوضوح لحدود كل ركن من أركان أي ثنائي، كالثنائيات المذكورة، قد لا نجده حين نتكلم عن النصر والهزيمة بالمعنى المطلق، ففي لعبة الشطرنج يجلس المتباريان أمام بعضهما ساعات عديدة، يعتصران دماغيهما بحثاً عن أفضل نقلة إلى أحد المربعات الخالية في الرقعة التي تحتوي على أربعة وستين مربعاً، ينتصر في النهاية أحدهما ويهزم الآخر وقد يتعادلان في بعض الأحيان. أما في لعبة كرة القدم فهنالك رابح وهنالك خاسر فقط، فإذا تعادلا عند انتهاء الوقت المحدد للمباراة، يكسر التعادل بضربات الجزاء، وتحسم اللعبة بنصر فريق وهزيمة فريق آخر.
والآن دعونا نغادر ساحة المباريات التي تنتهي عادة بالمصافحة وتهنئة بالفوز يقدمها الخاسر للمنتصر، لننتقل إلى لعبة أخرى ساحاتها واسعة جداً ولا تخضع تفاصيلها لشروط مشابهة لبقية الألعاب، وهي لعبة الحرب التي أصبحنا في منطقة الشرق الأوسط نعيش أجواءها منذ مطلع عقد الثمانينات من القرن المنصرم، ولم تعد حياتنا اليومية معزولة عن تأثيراتها المباشرة أو تداعياتها غير المباشرة، لنبحث عن معنى النصر ومعنى الهزيمة. فالحروب لا تنتهي عادة بالمصافحة بين المنتصر والمنهزم، بل قد تنتهي بسوق المهزومين إلى المشانق كما حصل لقادة ألمانيا التي خسرت الحرب أمام الحلفاء في عام 1945، وكما يحصل الآن لقادة النظام السابق في العراق.
يتعرض مفهوم النصر والهزيمة إلى الكثير من الالتباس في هذه الأيام بعد أن أعلنت الإدارة الأميركية عما اعتبرته إستراتيجية جديدة في العراق لتحقيق النصر، ولا ندري بالتحديد ما هو المقصود بالنصر ومن هو المنتصر في العرف الأميركي.
إن معايير الانتصار والهزيمة قد تختلف عند هذا أو ذاك، وحين يتعلق الأمر بالحروب تكتسب هذه المعايير سمات مختلفة، فالعسكري يفهم النصر بأنه إزالة الخصم من ساحة المعركة وتدميره كلياً، ويعتبر السياسي النصر بمثابة تحقيق هدف سياسي يخدم إستراتيجيته على الأمد القصير أو البعيد. وفي الحالتين يتحدد الانتصار بمدى تحقيقه وفق الجدول الزمني المخطط له.
الحرب الأميركية في العراق هي محور الأحاديث التي تدور في أرفع دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة و في أوساط الرأي العام الأميركي والعالمي وفي الأوساط الإعلامية، وهناك من يتحدث عن نصر قد تحقق وأن هنالك ضرورة لاستكماله وهنالك من يتحدث عن هزيمة لحقت بالولايات المتحدة، وأن النصر قد تسرب من شقوق في بنية الإستراتيجية الأميركية الخاطئة، وأصبح رتق هذه الشقوق غير ممكن بعد اهتراء النسيج كله. ويرى البعض بأن أبرز ضحايا هذه الحرب لم يكن وزير الدفاع المستقيل رامسفيلد، وإنما الإستراتيجية الأميركية التي انتهجها الرئيس بوش منذ وضع نصب عينيه إزالة كل تحد لهيمنة القوة الواحدة في العالم، وقطع الطريق على من تتوافر فيه مقومات ومؤهلات الصعود إلى مستوى الدولة العظمى.
مَن خرج منتصراً في الحرب الفيتنامية، لقد دمرت الولايات المتحدة معظم مرافق الحياة في فيتنام وسقط الملايين من الشعب الفيتنامي ضحايا تلك الحرب، وغطى المسحوق البرتقالي اللون الذي أسقطته الطائرات مساحات شاسعة من الغابات الفيتنامية حيث قُتل كل ما هو حي. كان القتال بين الطرفين، ببساطة تامة، قتالاً بين إرادتين حيث قاتل الفيتناميون رغبةً في حرية بلادهم وقاتل الأميركان لأسباب أخرى، وهو قتال ضد منطق التأريخ وفلسفته، إذ لم تستطع الولايات المتحدة منع قيام النظام السياسي الذي أراده الفيتناميون. ليس هذا هو المثل الوحيد الذي يمكن أن نسوقه للإشارة إلى أن التفوق العسكري وحده لا يصنع النصر، فقد خسر الشعب الجزائري مليون شهيد وكان لزاماً على الفرنسيين أن يرحلوا في النهاية.
كيف يُعرفُ النصر وكيف تُعرف الهزيمة في العقلية الأميركية؟ سؤال مهم يطرح نفسه في سياق الأحداث التي تقع في منطقة الشرق الأوسط، وفي العراق بشكل خاص. فعند إجراء الحسابات التي تقود إلى ادعاء النصر في الحروب ينبغي أن نفكر ماذا يعني «النصر»؟ إنه يعني إنجاز الهدف أو الأهداف التي كانت في أذهان من خطط للحرب قبل الدخول فيها.
ترى الإدارات الأميركية التي تعاقبت منذ الحرب العالمية الثانية «النصر» بأنه إزالة تهديد أو خطر محتمل لأمن الولايات المتحدة أو أمن أحد أصدقائها، فقد دخلت الولايات المتحدة في جميع صراعاتها، الخفية والمكشوفة، على مستوى القارة الأميركية أو على المستوى العالمي، لتحقيق ذلك. وتضمن الولايات المتحدة تحقيق هذا الهدف عند نهاية كل صِدام عن طريق إلزام الطرف الخاسر بتوقيع اتفاقية جديدة أو ضمه إلى خارطة تحالفات جديدة، هكذا تفسر الولايات المتحدة معنى النصر.
إلا أن هنالك أهدافاً ثانوية أخرى من غير شك، قد تكون منافع اقتصادية آنية أو بعيدة المدى، أو تبوؤاً لموقع استراتيجي متقدم، كما أن النصر قد يعني إعادة دولة أو عدة دول إلى النظام العالمي الذي تقوده العقلية الأنغلوساكسونية بعد تأهيله لذلك، كما حدث في نهاية الحرب العالمية الثانية حين أعيدت ألمانيا واليابان إلى المنظومة الدولية ودخلتا في اتفاقيات وأحلاف مع عدو الأمس.
لدى الولايات المتحدة رغبة في قيام أنظمة، في كل من أفغانستان والعراق، تكتسب الشرعية عن طريق صناديق الاقتراع تُمثل فيها شرائح الشعب المختلفة تمثيلاً معقولاً، ولديها أيضاً رغبة في انخراط هذين البلدين في المنظومة العالمية التي ترعاها الولايات المتحدة من خلال بناء شبكة من العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية بما يحقق في النهاية أحد الأهداف التي تطمح لها الولايات المتحدة. وهذه في الحقيقة أهداف جذابة أول من يطمح إلى تحقيقها الليبراليون في هذين البلدين، إلا أن لنا أن نتساءل عن الهدف الأساسي الذي دفع الولايات المتحدة إلى أفغانستان أولاً ثم إلى العراق بعد ذلك، إن الجواب الذي نتوقعه وفق العقلية الأميركية هو ضمان أمن الولايات المتحدة.
فيما يخص أفغانستان و العراق يجرى التركيز الإعلامي الأميركي الرسمي على مدى التقدم في تحقيق الأهداف الثانوية، في حين كان الهدف الأساسي للحملة الأميركية على هذين البلدين هو القضاء على النظام السياسي في كل منهما لأنها أنظمة معادية للولايات المتحدة وقد تحقق هذان الهدفان، وكان من تبعات ذلك حصول الولايات المتحدة على مواقع إستراتيجية متقدمة في أواسط آسيا، والحصول على موقع يقربها من الهيمنة المطلقة على الإستراتيجية النفطية في العالم.
يأتي بعد ذلك سؤال آخر لا بد من طرحه، فهل حققت الولايات المتحدة بعد هذين الحربين أجواءً أكثر أمناً لمصالحها؟
يرى الكثيرون غير ذلك وأبرزهم داخل الولايات المتحدة الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس، وأبرزهم خارج الولايات المتحدة الرئيس الفرنسي شيراك، فواقع الحال أن الحرب في العراق لم تفت في عضد الإرهاب العالمي بل زادته قوة، وبالتالي فالهدف الأساسي من الحرب لم يتحقق. كما أن الرأي العام الأميركي لم يعد يرى وهو يتابع ما يحدث في العراق بوادر مشجعة على أن الأهداف الثانوية التي أشرنا إليها في طريقها إلى الإنجاز.
فإلى أية درجة من النجاح أو الفشل في تحقيق هذه الأهداف الثانوية، وهي بناء دولة مؤسسات في هذين البلدين، تتحمل الولايات المتحدة مسؤوليته؟ وهنا يتبادر للخاطر سؤالان هامان آخران، المسافة الزمنية بينهما تقترب من سنتين، وهذان السؤالان هما: هل تستطيع أفغانستان تحقيق ذلك؟ وهل يستطيع العراق تحقيقه أيضاً؟
لا أحد لديه إجابة عن ذلك، فالحكومتان الأفغانية والعراقية، رغم مرور عدة سنوات على بدء العملية السياسية الجديدة فيهما لا تزالان ضعيفتين وفي أمس الحاجة إلى بقاء القوات الأجنبية لحمايتهما. ولكن هنالك، على الأقل، فرصة أمام الأفغان وأمام العراقيين لتحقيق ذلك إذا أرادوا، فقد نهضت دول من رماد الأنقاض والخراب وأصبحت عمالقة في الاقتصاد وفي العلوم والتكنولوجيا، كما هو الحال مع ألمانيا واليابان، فإرادة العراقيين أو الأفغانيين هي التي تستطيع ذلك فقط، وليست إرادة الاحتلال.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae