ما أشبه الليلة بالبارحة، فمنذ عشرين عاما أصدر البروفيسور إدوارد تيفنان كتابا ذاعت شهرته فور صدوره بعنوان «اللوبي» ولكن الكتاب حمل عنوانا فرعيا دالا على الموضوع الذي تناوله المؤلف الذي درس في أكبر جامعتين في الغرب وهما أكسفورد وبرنستون، والعنوان الفرعي كان كما يلي:

«النفوذ السياسي اليهودي والسياسة الخارجية الأميركية». ومنذ أسابيع عدة أصدر الرئيس الأميركي الأسبق يمي كارتر كتابه الذي مازال يحتل محور اهتمام القارئين والمحللين و، المهاجمين أيضا. وجاء كتاب كارتر بعنوانه الذي صار ذائعا وهو: «سلام فلسطين وليس الفصل العنصري (الابارثيد)».

وفي ربيع العام الماضي اهتمت الأوساط الأكاديمية والسياسية في أميركا والغرب بصدور الدراسة التي أشرنا إليها في مقالات سبقت وكانت بعنوان: «اللوبي الإسرائيلي (أو لوبي إسرائيل) وهي في الأساس ورقة بحثية شارك في إعدادها اثنان من الأكاديميين في الولايات المتحدة هما البروفيسور جون ميرشماير أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو وزميله البروفيسور ستيفن والت أستاذ الشؤون الدولية بجامعة هار؟ارد».

ولقد شهدت السنوات العشرون الفاصلة بين الكتاب الأول وبين كتاب الرئيس كارتر وقد تخللها ـ كما أسلفنا ـ صدور دراسة الربيع الماضي فصولا وأحداثا تعكس حجم مأساة الترهيب الفكري والابتزاز المعنوي والجسارة التي لا تعرف حدودا ولا تتورع عن محاولة اغتيال الشخصية الأدبية أو الجدارة الأخلاقية لكل من ينقد إسرائيل، سواء من حيث وجودها بالاغتصاب والاحتلال الإقليمي في قلب الأرض العربية بالمشرق.

أو من حيث ارتباطها العضوي بجماعات الضغط السياسي ـ الاقتصادي ـ الاجتماعي التي يتألف منها «اللوبي» الإسرائيلي الذي يضم أخلاطا من أصحاب المصالح من يهود الولايات المتحدة ومؤيديهم وحلفائهم من أعضاء الكونجرس أو أصحاب وكالات العلاقات العامة أو دهاقنة السياسة أو الإعلام في طول أميركا وعرضها.

وعندما صدر كتاب البروفيسور تيفنان منذ عقدين من زماننا كتب الرجل (ص10) يقول: «أن أي ناشر في نيويورك لن يرضى بطبع مثل هذا الكتاب، وتلك نصيحة قدمها إلى المؤلف كثرة من زملائه وأصدقائه ومعارفه ومنهم ـ كما أوضح المؤلف ـ دبلوماسيون وسفراء أميركيون سبق وأن عملوا في المنطقة العربية».

وعندما صدرت دراسة «اللوبي» للأستاذين اللذين ينتميان إلى جامعتي شيكاغو وهار؟ارد هاجت أوساط اللوبي الإسرائيلي ـ اليهودي في أميركا ولدرجة أن تعرض صاحباها وهما من أكبر الأكاديميين لعاصفة عاتية من النقد والهجوم على نحو ما يقول مايكل ماسنغ في عرضه التحليلي للدراسة (مجلة نيويورك للكتب، عدد يونيو 2006).

وربما انتابت ثورات الغضب العاصف أركان منظومات المصالح الإسرائيلية في أميركا وبخاصة لأن دراسة الأستاذين مير شماير وستيفن والت قصدت إلى القول بأن نشاطات ومؤثرات وضغوط «اللوبي الإسرائيلي» تؤدي إلى تشويه السياسة الخارجية الأميركية في سبيل تحقيق مصالح إسرائيل وضد مصالح الولايات المتحدة نفسها.

لهذا شهدت الأشهر الستة الأخيرة من عام 2006 سجالا تحت الحزام كما قد يقال واستخدام أسلحة إعلامية وفكرية معظمها غير مشروعة شهرها اللوبي الإسرائيلي ـ اليهودي في أميركا، لا للرد على الدراسة المذكورة ولكن للتشكيك في مستواها العلمي ومن ثم تحطيم السمعة والجدارة الفكرية لاثنين من الأساتذة اللذين ارتأيا أن مصلحة بلدهما (أميركا) أولى بالرعاية والخدمة والمتابعة من مصالح المشروع الصهيوني الاستيطاني في مشرق الوطن العربي.

وعندما كتب مفكر أميركي آخر هو الأستاذ كارل براون عرضا تحليليا لدراسة «اللوبي في مجلة مرموقة الاحترام هي الشؤون الخارجية ـ فورين أفيرز (عدد أكتوبر 2006) ونفى عن الدراسة أنها معادية للسامية أو أنها جزافية الأحكام، ثارت من جديد ثائرة اللوبي إياه، ومن ثم فقد تلقت «الفورين أفيرز».

ونشرت في أحدث أعدادها للعام الجديد (عدد يناير ـ فبراير 2007) رسالة تندد بالدراسة وتندد ـ فوق البيعة ـ بمن أعطوها حقها موضوعيا من التقدير والتقييم ثم توضح الرسالة كيف أن جامعة هار؟ارد رفعت شعارها من فوق الدراسة (كنوع من التبرؤ منها وإن كان مفهوما أن الجامعة الموقرة نأت بنفسها عن ضغوط اللوبي وملاحقات أعضائه والتهديد بوقف التبرعات لصالح أنشطتها الأكاديمية وما إلى ذلك من ضروب الابتزاز والإرهاب الفكري).

مع ذلك فلم تكد عواصف اللوبي تهدأ أو ينقشع غبارها إلا وتفاجأ أوساط اليهود في أميركا وإسرائيل بكتاب الرئيس جيمي كارتر الذي يحوي عنوانه تلميحا يربط بين المعاملة التي يلقاها الفلسطينيون الواقعون ـ الراسفون تحت نير الاحتلال الصهيوني وبين ما كان يلقاه سكان جنوب أفريقيا السود على يد نظام الابارتيد العنصري أيام سيطرة البيض على أقدار بلادهم.

ولعل أخطر ما في هذا القياس أو المقابلة هو أن كُلاّ من الطرفين الفلسطيني والأفريقي هو صاحب الأرض الشرعي وأن كُلاّ من الطرفين الصهيوني والبوير (الأبيض) هو في الأصل مستعمر عنصري وافد على تلك الأرض سواء في شرقي المتوسط أو في طرف القارة السمراء.

وكان طبيعيا أن يأتي الدور على الرئيس الأميركي الأسبق الذي جرؤ على الكلام على حد تعبير النائب الأميركي، الأسبق أيضا بول فندلي في كتابه الشهير الصادر في نفس السياق. ورغم أن يمي كارتر له فضل تاريخي كبير على إسرائيل ذاتها باعتباره الرئيس الأميركي الذي تمت في عهده اتفاقات كامب دي؟

يد ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل حيث كان الرئيس المصري السابق أنور السادات يوليه ثقة مفرطة ويتفاخر بصداقة عائلية تربطه مع السيد كارتر وزوجته السيدة روزالين ـ رغم هذا فإن السيد كارتر شخصيا ما برح يتعرض في الوقت الحالي لحملات مسعورة من جانب الدوائر اليهودية الأميركية لدرجة أن يقول الكاتب الأميركي «كريس هدجز»:

عندما أصدر الرئيس كارتر كتابه كان كمن ألقى بنفسه بين تروس المنشار الدوار الذي يحمل اسم اللوبي الإسرائيلي. وبهذا حقت على رئيس أسبق ومحترم للولايات المتحدة أوصاف أطلقها إبراهام فوكسمان مدير عصبة مناهضة التشهير (الاسم الحركي للوبي الصهيوني) وهي أوصاف من قبيل.

«المتعصب» و«الخارج عن حدود الأدب أو اللياقة»، بل أن السيدة بيلوسي التي تبوأت مؤخرا منصب رئيس مجلس النواب سارعت إلى التبرؤ من كارتر الذي طالما اعتز به الديمقراطيون فأعلنت أن الرئيس الأسبق لا يعبر عن لسان الحزب الديمقراطي فيما يتعلق بإسرائيل.

على الجانب الآخر من القضية ـ جانب التعاطف والتفهم لمقولات وأحكام يمي كارتر ـ ينشر الكاتب كريس هدجز الذي أشرنا إليه مقالا في مجلة «ذي نيشن» (عدد 15/1/2007) يومئ فيه إلى الأزمة ـ حتى لا نقول المحنة ـ التي يواجهها الرئيس صاحب الكتاب.

ويختار للمقال عنوانا يمكن ترجمته إلى عبارات من قبيل «طاردوا كارتر ـ أوقفوا كارتر ـ لا تفلتوا كارتر من أيديكم، الخ». ونحسب أن للأستاذ هدجز خبرة ميدانية مباشرة بأحوال الشرق الأوسط وقد قرأنا له تحقيقات وتحليلات عديدة في كبريات الصحف الأميركي حول قضايا المنطقة، وقد نحمد له شجاعته الأدبية حين صدّر مقاله موضحا ما يلي:

«إن كتاب كارتر لم يكشف سوى القليل من الكثير الذي يمكن أن يقال عن إسرائيل، عن الفصل العنصري المفروض (على الفلسطينيين)، عن الإهانة البالغة إلى حد الإذلال التي يكابدونها، عن العنف الإسرائيلي المتصاعد ضد الشعب الفلسطيني وتلك سلوكيات ـ يضيف الكاتب الأميركي ـ نشرتها بالتفصيل الصحافة الأوروبية بل والإسرائيلية، وكشفت عنها كبرى منظمات حقوق الإنسان وعلى نحو من الاتساق الذي يدعو للتقدير».

وعلى الجانب الآخر من القضية يدين «كريس هدجز» موقف الصحافة والميديا الإعلامية الأميركية بعد أن جاء الهجوم الذي تعرّض له كارتر ليكشف بدوره عن عوامل استضعافها أو خيبتها لأنها أتاحت المجال لإسرائيل لكي تهيل أكوام الهجاء على كتاب كارتر وإن كان الأمر قد كشف بدوره.

كما يؤكد الكاتب الأميركي أيضا، عن تباين المواقف التي تتخذها أهم الدوائر والقطاعات في المجتمع الأميركي إزاء مأساة الفلسطينيين ما بين ما يصفه هدغز بأنه «عدم اكتراث إدارة بوش» أو عدم مبالاة قيادة الحزب الديمقراطي إزاء مبادئ سيادة القانون وحقوق الإنسان أو روح التخوف الخائر التي تسري بين الطبقة المثقفة أو الإفلاس الأخلاقي الذي أصاب المؤسسات التي تدعي أنها تنطق باسم اليهود الأميركان أو الدولة اليهودية.

بل يذهب الكاتب الأميركي إلى مدى أبعد من هذا حين يشير إلى ما يراه من أوجه القصور في كتاب الرئيس كارتر نفسه إذ يراه «متعاطفا بأكثر من اللازم مع الإسرائيليين» حين يعمد الكتاب إلى أن يقصر تعامله على الأراضي المحتلة موضحا أن إسرائيل نفسها كيان ديمقراطي، وهنا يعلق الكاتب هدجز قائلا:

«إن هذه المقولات ستشكل مفاجأة غير متوقعة لنحو مليون وثلث مليون من عرب إسرائيل (يقصد عرب 1948) الذين يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية في الدولة اليهودية والذين يبلغ معدل الفقر بين صفوفهم أكثر من ضعف نظيره من السكان اليهود». وفي كل حال فإن سطور الكتاب الصحفي الأميركي لا تعني أنه منحاز للصف العربي بقدر ما تؤكد أنه يسعى إلى الانحياز لصف الحق ولمصلحة بلاده ولصالح السلام المنشود في المنطقة شريطة أن يؤسس على ركيزة من العدل والعقل وأبسط حقوق الإنسان.

لهذا يخلص الأستاذ كريس هدجز إلى محصّلة يقول فيها: «إن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة لا يخدم لا إسرائيل ولا المجتمع اليهودي الأميركي، بل أنه يخدم مصالح الجناح اليميني المتطرف داخل إسرائيل ذاتها. والحقيقة أن معظم الإسرائيليين باتوا يفهمون أن السلام لن يتحقق إلا عندما يلتزم بلدهم بالقانون الدولي وبما يتيح للفلسطينيين أن يؤسسوا دولة قابلة للحياة والاستدامة على أساس حدود عام 1967».

كاتب مصري