خطاب الرئيس بوش السنوي عن «حالة البلاد»، نادراً ما جاراه خطاب رئيس أميركي سابق في هذه المناسبة؛ من حيث تصنيفه في خانة الباهت والدفاعي بامتياز.

في السنوات الست السابقة كان حديثه هذا من الطراز الهجومي. مع الحرص على إضفاء طابع التفاؤل عليه. بل كان من النوع الاقتحامي الطابع، خاصة في ميدان السياسة الخارجية. وبالذات إزاء حرب العراق. هذه المرة توارت مفردات ومقولات، من هذا الصنف، وغابت عن كلمته.

لا هو عاد قادراً على تسويقها. ولا في السوق قابلية لشرائها، فالحديث عن نشر الديمقراطية، في العراق وغيره، لم يعد له ما يسوغه؛ في ضوء حصيلة التجربة، كذلك الحديث عن استتباب الأمن والسلم، في بلد يقفز فيه العنف الدموي، بصورة جنونية.

الواقع على الأرض العراقية موشح بالسواد، التخبط سيد الموقف. رصيد الرئيس بوش اليوم في أدنى درجات وصلها رئيس أميركي سابق: حوالي 28%! انتخابات الكونغرس، قبل شهرين، حرمت حزبه الجمهوري من الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب. انتقل الكونغرس من سند له إلى خصم يتربص بسياساته الداخلية والخارجية. بالإضافة إلى كل ذلك، فهو لم يبق له في البيت الأبيض سوى أقل من سنتين.

في حالته وبمثل هذه الفترة المتبقية، يتحول الرئيس الأميركي إلى «بطة عرجاء»، حسب التعبير الأميركي المعروف، من هنا ما كان أمامه سوى خيار التمني على الأميركيين، كونغرس ورأي عام، منحه الفرصة والوقت مع التحلي بالصبر لكي يعمل على وضع سياسته العراقية الجديدة، موضع التنفيذ.

التبرير الوحيد لطلبه كان في العودة إلى ورقة «الإرهاب»؛ وذلك من زاوية أن هذا الأخير هو البديل عن النصر؛ الذي لا يزال ممكناً؛ كما قال. مشكلته أن هذه السياسة التي حددها قبل أيام، تقوم على التمسك بنفس الخط الذي سلكه منذ البداية، بخصوص العراق.

الرأي العام الأميركي والعالمي، توقع التغيير؛ لكن الرئيس بوش عاد ليعرض عليه البضاعة ذاتها، فهو يدافع عن سياسة غلتها غير قابلة للبيع. وهنا مأزقه.

في خطابه السنوي يقدم الرئيس الأميركي عادة، كشفاً عن إنجازاته للعام الماضي وقائمة بما يطمح إلى إنجازه في العام الحالي. كشف بوش خسائره وازنة طموحه إلى تحقيق المراد، من دون تغيير، محكوم بالحصيلة نفسها. فكان أنه لا هو قادر على الدفاع عن رصيده؛ ولا على تقديم الوعود المقبولة، التي توفر له الدعم المطلوب لإنعاش رئاسته التي باتت منذ غزو العراق، أسيرة لهذا الملف. تركته مرهونة بما تؤول إليه الأوضاع والتطورات العراقية؛ هكذا كانت منذ ذلك الحين. وهكذا هي الآن، وأكثر.

وإذا كان الرئيس بوش قد حسم في خياراته في هذا الخصوص وقرر الاعتماد على القوة، أو بالأحرى مواصلة الاعتماد على القوة؛ فإنه بذلك وضع العراقيين، قوى وفعاليات وقيادات، أمام واقع، عليهم أن يقرروا في ضوئه، أيّ عراق يريدون؟ المؤكد أن استمرار الحال والنزف والتمزق، على ما كان عليه. ولا يزال؛ لن يؤدي إلى قيام العراق المنشود، فهل هم في وارد التغيير وبالتالي الإنقاذ أم التشبث كالرئيس بوش بنفس الجديد ـ القديم؟