منذ ربع قرن بالتمام، تولت حكومة مناحيم بيجين عملية إخلاء المستوطنات اليهودية التي استزرعها الاحتلال في سيناء المصرية غداة عام 1967. ضمن الأجواء المسرحية التي صاحبت تلك العملية، رأينا بعض المستوطنين وهم يعتصمون بأماكنهم، محتجين رافضين أوامر الحكومة و«تنازلاتها المؤلمة على حسابهم من أجل السلام مع مصر». ورأينا قوات الجيش وحرس الحدود الإسرائيلية وهى تحاول باللين والهوادة وتطييب الخواطر إقناع المستوطنين بالمغادرة.

كنا حينذاك أمام مشاهد أريد بها التأثير الدرامي على مستويين: الأول،إظهار تعنت المستوطنين وتشبثهم بالمستوطنات وكأن لهم حقوقا يساقون إلى التخلي عنها قسراً، فيما الحقيقة أنهم مستعمرون أقحاح لا خلاق لهم ولا يحظون بأية خلفية تاريخية أو حقوقية تبرر وجودهم في أرض محتلة بالقوة. الثاني، إبراز صورة إسرائيل كدولة جادة في الوفاء بما عليها من استحقاقات وفقا لمعاهدة السلام مع مصر، رغم الآلام المترتبة على ذلك بالنسبة لقطاع أثير لديها من الشعب!

لكن ما لم تنقله الصورة من ذلك السيناريو، أن أولئك المستوطنين حصلوا على مغريات تحقق بعض أهم مراداتهم المكنونة من وراء التباكي المصطنع.. إذ تم إرضاء كل واحد منهم بنحو نصف مليون دولار تكفلت واشنطن بدفعها، والأهم أنهم تلقوا وعوداً بإعادة توطينهم في أراض محتلة عربية أخرى، بإزاحتهم قليلاً إلى الشمال حيث قطاع غزة والضفة والقدس والجولان. وهذا ما حدث بالفعل.

لقد تكرر السيناريو ذاته مع بعض الفروق المحدودة عام 2005. ذلك حين تمنع بعض المستوطنين أمام جهود حكومة أرييل شارون لإخلاء قطاع غزة.. ربما كان الفارق الأبرز أن خطوة الانسحاب هذه المرة جاءت بإرادة إسرائيلية منفردة وكخطوة أحادية الجانب. غير أن الأسلوب المتبع مع المستوطنين استلهم سابقة سيناء: التحايل والطبطبة والإرضاء المالي السخي ووعد المساعدة على تهيئة مستوطنات بديلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

المراد انه عندما تتحدث إسرائيل عن سحب قطعان مستوطنيها من منطقة عربية أو فلسطينية مغتصبة بشكل كلى أو جزئي؛ باتفاق سلام أو تسوية أو بدونهما، فإن على السكان الأصليين الفلسطينيين في مناطق أخرى أن يتأبطوا شراً ويستعدوا لمواجهة موجة من المستوطنين الجوالين..

وأيا ما كانت بداية عمليات الاستيطان ونهايتها فإن المستوطنين يخرجون منها غانمين. هم يغنمون عند البداية بالاستحواذ على حوافز مادية وخدمية وحمائية استثنائية. ويغنمون عند النهاية عبر الابتزازات والمساومات المالية والسياسية. وهم في كل الأحوال يزعمون البطولة والريادة في مشروع استعماري جوهره الاستيطان في أراضي الغير.

على أن إسرائيل الدولة، والنخب الحاكمة بخاصة، لا تخرج من هذه القصة المكررة خالية الوفاض، بل أنها تحقق بدورها أرباحا لنفسها. فهي تستقطب الأموال بالهبات والمنح والقروض الميسرة طويلة الأجل بذريعة تمويل العمليات الاستعمارية الاستيطانية أولاً، ثم بزعم ترضية جماعات الاستيطان.

وتكميم أفواههم الشرهة وقصقصة ألسنتهم السياسية السليطة وتلطيف معارضتهم لمسيرة التسوية وتوفير أماكن بديلة لهم للسكن والاستيطان تالياً. وبالنظر إلى خصائص سياسية وأهداف إستراتيجية ونوازع أيديولوجية، تعمل الولايات المتحدة كممول عتيد بالغ الجهوزية للاستجابة لهذه المطالب.

وهكذا فإن إعلان إسرائيل عن تفكيك أية كتلة استيطانية على أرض فلسطينية لا يمثل بالضرورة والحتمية خبراً ساراً للجانب الفلسطيني.. إذ ينبغي التأكد من الخطوة التالية التي غالباً ما تكون تكثيف ومراكمة الاستيطان في كتل أخرى أقدم نسبياً أو الشروع في إنشاء كتل جديدة على أراض فلسطينية أيضاً.

من آخر أخبار هذه الدائرة المغلقة اللعينة موافقة وزارة الدفاع الإسرائيلية على بناء مستوطنة جديدة في غور الأردن بالضفة (ومحيط القدس). اللافت بالخصوص أن هذا القرار ينطوي على إشعار باستئناف العمليات الاستيطانية بعد عشر سنوات من توقيفها في هذه المنطقة، وأنه يؤكد قناعتنا بأن جلاء المستوطنين عن جهة فلسطينية ينذر بتحويلهم إلى جهة فلسطينية أخرى بحسب رؤية إسرائيلية كلية للقضية الاستيطانية.

فقد بررت ناطقة باسم وزير الدفاع الإسرائيلي القرار بأنه يأتي بموجب التزام قطعه وزير الدفاع السابق شاؤول موفاز لإيواء سكان المستوطنات التي تم إخلاؤها في غزة. لاحظ هنا كيف يستخدم مفهوم «الإيواء» بكل دلالاته الإنسانية الرقيقة لتسويق إجراء مخالف لكل الشرائع السماوية والوضعية.

فالمستوطنون جماعة من المساكين المطروحين على قارعات الطرق الذين لا يجدون أرضاً تكفكف دموعهم غير أرض الفلسطينيين المحتلة! لا نود الاستطراد في تنفيذ دلالات هذا التصوير الدرامي الدعائي المزيف كي نلتفت إلى الأهم، وهو توقيت القرار الذي وقع بعد يومين فقد من لقاء رئيسي الوزراء الفلسطيني والإسرائيلي محمود عباس وإيهود أولمرت في 23/12/2006.

ذلك اللقاء الذي تعهد فيه الأخير للأول بعدم القيام بإجراءات أحادية الجانب تجحف بالوضع النهائي للتسوية الفلسطينية. القرار لم يعبأ بهذا التعهد مثلما ينتهك عشرات الاتفاقات والأطر ذات الصلة، في طليعتها نصوص (خريطة الطريق)، بل ويعاكس التوجهات والتوقعات الأميركية والأوروبية بعدم توسيع الاستيطان الإسرائيلي، أفقياً بالذات.

مناط الدهشة هنا لا يتعلق فقط بالسلوك الإسرائيلي الذي ألفنا خروقاته وانتهاكاته وإنما يخص أيضا رد فعل بعض أهل التسوية في المجال الفلسطيني. فمسؤول المفاوضات صائب عريقات أدان القرار الإسرائيلي باعتباره «يعطل كل ما تم الاتفاق عليه وما تعهدت به إسرائيل».

الرجل يعترف إذا ويقر بأن إسرائيل لاعهد لها ولا ذمة، لكنه مع ذلك من أكثر المتحرقين إلى اعتراف حكومة حماس بالاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية السابقة بين شروط تسهيل الانفتاح عليها فلسطينياً وعربياً ودولياً. ألا يقع هذا الموقف الحائر- والعاطفون عليه غير عريقات ـ في دائرة الالتباس وازدواجية المعايير؟!

في كل حال تمكنت الحركة الصهيونية من ترويج وهم «اليهودي التائه» وعندما صدق بعض يهود العالم هذه الأزعومة وتقاطروا إلى كيانها السياسي إسرائيل، حولتهم هذه الأخيرة إلى «مستوطنين جوالين» في أرض العرب والفلسطينيين، يتنطعون من سيناء إلى غزة إلى غور الأردن ولا ندري إلى أين مستقبلاً.

كاتب وأكاديمي فلسطيني