باتت أجندتنا الصحافية ضيقة لدرجة أصبحت تبعث على السأم والضجر لدي المشتغلين في العمل الصحافي والقراء على حد سواء، إذ نجد أنفسنا وبتلقائية نحسد عليها نقيم الموضوعات التي تخرج عن دائرة القضايا التي ورثناها عن السلف بأنها هزلية وغير جديرة بأن تكون موضع اهتمام من جانب كتبة مقالات الرأي والأعمدة،.
وبالتالي، صار الكتاب والصحافيون يدورون في نفس الدائرة، بحيث أضحى ما يكتب اليوم هو نسخ مكررة مما كان يكتب في الأمس، وصالح لأن يعاد إنتاجه في الغد، وهو ما يدل على أن هناك أزمة ابتكار واستحداث قضايا جديدة تضفي قدرا من الحياة والحيوية على أجندتنا الصحافية.
بل وامتدت هذه الأزمة إلى القنوات الفضائية الإخبارية التي أصبحت تدور في نفس الفلك، وتكرر جميعا وفي توقيت واحد محاور الاقتتال التي ورثناها على مدى يزيد على نصف عقد، والأغرب أن الجميع صار يعلم علم اليقين بأن هذه القضايا لم تعد تستأثر باهتمام القراء والمستمعين، ولكن القائمين عليها يجدون أنفسهم تلقائيا يرفضون تجريب الخوض في قضايا جديدة، بل يخشون من أن توصم أدواتهم الإعلامية بأنها هزلية.
نعم، نحن إزاء قضية مصيرية وهي قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وإزاء شلالات دم تنهمر على امتداد البقعة الجغرافية الممتدة من المحيط إلى الخليج، وغير جائز لأي أجندة إعلامية أن تتجاهل خطوط القتال الساخنة في فلسطين لبنان والعراق والسودان والصومال، لاسيما وأن رقعتها آخذة في التوسع والتمدد.
ولكن الوجه الآخر لهذا الواقع الذي ينخر في عظامنا على مدى عقود وعقود، أن هناك قضايا أخرى خارج هذه الدائرة لا تستوقف اهتمام كتابنا الذين اعتادوا على التفكير في القضايا الضخمة والكبيرة والتي ترتبط بالإستراتيجيات الكونية، فكيف يتأتى لهم النزول من هذه المكانة الرفيعة والسامية إلى الكتابة عن تفاصيل الحياة اليومية للأفراد.
ويمكن التعرف على واقع أزمة ضيق أجندتنا الصحافية من خلال النظرة السريعة على العناوين الرئيسية للقصص الإخبارية والمقالات وأعمدة الرأي لأكثر من صحيفة عربية، فهي تكاد أن تكون نسخا لبعضها البعض، بحيث أضحت عبقرية القائمين على التحرير تكمن في قدرتهم على ابتكار العناوين لتحقيق قدر من التميز والاختلاف عن بقية الوسائل الإعلامية.
ولنا أن نتساءل عن الصحف التي تمتلكها الجرأة لتضع في صدر صفحتها موضوعات خارج الدائرة التقليدية والمتعارف عليها، وربما تكون هناك بعض الاستثناءات، ولكن تبقى القاعدة السائدة هي صاحبة السطوة والهيمنة.
بالطبع، هناك صحف حاولت أن تشق عصا الطاعة على هذا النمط الذي قولب صحفنا على مدى عقود.
ونجحت هذه الجهود في إخراج صحف وقنوات فضائية متخصصة كتلك التي تركز على قضايا الاقتصاد والأعمال والعقارات، ومن الصحيح أيضا أن الجرعات الاقتصادية آخذة في التزايد في الصحف اليومية، ولكن دائماً ما ينظر إلى هذه الأدوات الإعلامية على أنها أقل أهمية بالمقارنة مع وسائل الإعلام السياسية، بل وينظر إلى المنخرطين في مثل هذا النوع من العمل الصحافي على أنهم أقل أهمية بالمقارنة مع الكتاب السياسيين.
والمسألة الملفتة للاهتمام أننا دائما ما نعيب على الرأي العام في الدول المتقدمة بأنه يجهل ما يدور في الخارج نتيجة تركيز اهتمامه على القضايا المحلية، كما لو كان قمة نجاح الوسيلة الإعلامية أن تشغل الرأي العام بقضايا خارج الحدود، وننسى في غمرة رضائنا عن أنفسنا أنه حتى القضايا التي كانت تثير حمية قطاعات الرأي العام، أصبح التناول الإعلامي لها يثير الضجر والسأم.
وتصل الدراما الصحافية إلى ذروتها، عندما تنتقل عدوى الإحباط إلى زملاء المهنة، فهم يتساءلون بامتعاض واستهجان عمن سيقرأ ما يكتبونه، أي أنهم يكتبون وهم على اقتناع بأن لا أحد سيقرأ ما يكتبونه، أو ليس أحري بنا أن نعمل على توسيع أجندتنا الصحافية حتى لا تتحول مهنتنا إلى شكل من أشكال المنولوج.