عندما انهار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 تصور الكثيرون أن الشيوعية انتهت في العالم، فقد تفككت الكتلة الشيوعية وانهارت الأنظمة التي تحكمها، كما استمرت الصين التي كانت مرشحة لزعامة الشيوعية في برنامجها الاقتصادي التنموي وانفتاحها على الأسواق الغربية المفتوحة لها، مما جعلها تبتعد تدريجياً عن الشيوعية، وبالتالي يمكن القول ان المنظومة الشيوعية التي تشكلت في القرن العشرين قد تفككت وتلاشت، ولكن هل هذا يعني انتهاء الشيوعية في العالم؟

تجدر الإشارة هنا إلى أن الفيلسوف الألماني كارل ماركس عندما وضع أسس الفكر الماركسي الشيوعي لم يكن يتوقع ولا يتصور إطلاقاً أن دولاً مثل روسيا والصين سوف تكون بداية حقول تطبيق أفكاره ونظريته، وكان ماركس ينظر بالتحديد إلى أوروبا التي كان يرى فيها النمو البشع للرأسمالية المتوحشة التي ستدفع الطبقة العاملة إلى التجمع والتنظيم والتحرك في ثورتها ضد الرأسمالية، ولكن الأوروبيين بثقافتهم وعلومهم المتقدمة فطنوا للأمر وسارعوا لتصنيع مضاد حيوي ضد الشيوعية من المبادئ الماركسية نفسها، فأخذوا من الماركسية مبادئ العدالة الاجتماعية.

وتوسعوا في تأسيس النقابات العمالية البعيدة عن السياسة والأحزاب ومنحوا الطبقة العاملة حقوقاً أكبر مما تعدهم بها الشيوعية، وساعد الأوروبيين على ذلك النمو الاقتصادي الكبير والنهضة الصناعية التي اعتمدت على موارد وثروات الشعوب الأخرى، هذا بالطبع إلى جانب تحصنهم الأمني والعسكري ضد الشيوعية والماركسية اللينينية القادمة من الاتحاد السوفييتي والصين.

الآن انتقلت الأفكار الاشتراكية والشيوعية إلى حقل آخر ومكان آخر لتخوض تجربتها الثانية بعد التجربة الشرقية الفاشلة، هذا الحقل الجديد هو أميركا اللاتينية، ولا شك في أن هذا الحقل أكثر وأشد خطورة من الحقل الشرقي رغم فارق القوة الاقتصادية والعسكرية بين الحقلين.

حيث القوى العظمى مثل الصين وروسيا في الشرق والتي لا يمكن أن نضاهي بها جمهوريات الموز اللاتينية الفقيرة الضعيفة، إلا أن أميركا اللاتينية تشكل خطورة أكبر بكثير بحكم موقعها بجوار زعيمة الرأسمالية الحديثة الولايات المتحدة الأميركية التي تتعامل مع القارة الجنوبية طيلة القرن الماضي على أنها الحديقة الخلفية لها وتضعها ضمن حزامها الأمني الذي لا تسمح واشنطن لأحد بالعبث فيه ضد مصالحها، وحتى كوبا قلعة الشيوعية الصغيرة لم تستطع أن تشكل أي خطر على المصالح الأميركية .

ولم يستطع الاتحاد السوفييتي الاستفادة من موقعها على بعد بضع خطوات من الحدود الأميركية، ويوم أن فكر الزعيم السوفييتي خروشوف في اللعب بورقة كوبا أثناء أزمة «خليج الخنازير» في عام 1962 كادت الأمور تشعل حرباً نووية بين المعسكرين، الأمر الذي جعل موسكو تتراجع.

الآن تشهد أميركا اللاتينية بوادر ومؤشرات صحوة وثورة اشتراكية وشيوعية مناهضة بقوة لواشنطن، بدأت هذه الصحوة في فنزويلا التي خرج زعيمها الثوري هوجو شافيز رافعاً الأعلام الحمراء يتحدى واشنطن، وامتدت الصحوة خلال عام واحد 2006 لتشمل بوليفيا التي ينتهج فيها زعيمها إيفو موراليس سياسة شيوعية واضحة بدأت بتأميم قطاع النفط، لتواصل الصحوة طريقها في القارة الفقيرة لتغزو الإكوادور وتصعد بزعيم شيوعي جديد هو رافائيل كوريا، وتصل إلى نيكاراجوا لتعيد المناضل الشيوعي القديم عدو واشنطن اللدود دانييل أورتيجا للحكم،.

وفي شيلي جاءت الاشتراكية ميشال باشليت رئيسة للبلاد، وظهرت بوادر المد الشيوعي والاشتراكي في العديد من أنظمة حكم دول مثل البرازيل وبيرو وأوروغواي.. وغيرها، وكل هذا في عام واحد. دول القارة اللاتينية تجمعها ظواهر مشتركة مثل الفقر والأزمات الاقتصادية الطاحنة والفساد والجريمة والمافيا والمخدرات.

وكل هذه الظواهر السلبية ساهمت الولايات المتحدة في نموها وهو ما يمهد تربة خصبة لصعود الأنظمة الشيوعية وتوحدها في مناهضة واشنطن، ومن الممكن أن يسفر هذا التوحد عن تجربة جديدة للشيوعية قد لا تدوم طويلاً بسبب الضعف الاقتصادي لكنها بالقطع سيكون لها أكبر الأثر السلبي على الولايات المتحدة التي لم تعتد من قبل على عدو قريب منها على بعد خطوات في حديقتها الخلفية.

وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة كلها جاءت عن طريق انتخابات ديمقراطية، إلا أن توحدها في النضال ضد أميركا ورفعها للأعلام الحمراء والشعارات الشيوعية واتجاهها لسياسات التأميم ووضع يد الدولة على الاقتصاد قد يسارع بتحولها إلى أنظمة شمولية تتخلى عن الديمقراطية وعن الانتخابات وتتمسك بالسلطة بقوة بحجة مواجهة العدو الرأسمالي المشترك في الشمال، خاصة وأنه من الصعب وربما من المستحيل عليها أن تنجح في مواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة فيها.

إنها مرحلة ثانية من مراحل الشيوعية العالمية، ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة، ومن يدري ربما يتحقق حلم كارل ماركس يوماً ما وتنهض الشيوعية في أوروبا التي تنشط فيها الأحزاب الاشتراكية والعمالية بشكل ملحوظ وتندلع فيها المظاهرات أكثر من غيرها ضد العولمة الرأسمالية.