أعصابك مشدودة ومتوترة على الدوام، لأنك رجل تعيش في الواقع ولك حساسية وشفافية لا تستطيع الانفلات من تأثيراتها ولك تطلعات وطموحات إنسانية عظيمة لكنك لا تستطيع بلوغها، فما حولك يغلي ويفور على صفيح ساخن وأنت في محيط براكين غبارها لا يترك مجالا لترى إن كانت الطريق التي تأخذ أقدامك لا يوجد بها منزلقات وحفر عميقة.. تعيش الواقع ولكنك لا تراه بسبب هذا الغبار الذي يعتم عليك الفضاء..
تتمنى ان تشرق عليك شمس يوم خال من أخبار الموت والدمار وجدل الخلافات التي لا تنفك عقدها، لكن هذا اليوم لا يأتي ولا شمسه تشرق. ماذا لو ان نشرات الأخبار خلت فجأة من أخبار الحزن واجتاحت الابتسامة وجوه المذيعات والمذيعين وتحولت النشرة إلى أخبار الانجازات العلمية والإبداعات الإنسانية، كلام قليل عن السياسة وكلام كثير في الحب واجمل طرفة حدثت اليوم في صباح العالم واغرب مشهد ضاحك في مسائه؟
منظمة الصحة العالمية تشير في دراساتها إلى أن أكثر من 100 مليون شخص يعانون من الاكتئاب بأنواعه المختلفة. وبالرغم من هذا العدد المحترم الا ان هذه الإحصائية قديمة ومن المفترض انها تضاعفت. استاذة في الصحة النفسية تقول ان تأثيرات الحروب
والمشاهد الحية لأشكال العنف تنسحب على الأطفال قبل الكبار حيث يتذكر الأطفال هذه المشاهد ويسترجعونها فتتكرر في الحاضر بشكل مستديم وتودع آثارها في الذاكرة، ولهذا فإن الصدمة وآثارها لا تخبو تلقائيًا مع الزمن، بل إن انطباعاتها قد تعاود الظهور مرة أخرى ويسترجعها الطفل بدرجة من الشدة مماثلة للصدمة الأصلية.
ان تغلق نوافذك كلها وتعيش في طقس افتراضي تهيئه لنفسك قد يكون حلا عند البعض، او ان تتخلص من هذا الواقع المرير بالتعلق بطوق أحلام اليقظة، يعني ان تعيش حالة انفصام وفي الحالتين انت تعيش عزلة افتراضية تدفعك إلى التقوقع كما يقول علماء النفس..
في إيقاع حياتك اليومية لا تملك الا ان تشد على اوتار أعصابك تاركا لها خيارات الصمود او الانهيار، فتقنية الاتصال الحديثة توفر اليوم خدمات جليلة لأجهزة الأعلام تستثمر فيها افعالا، مهندسا ومقيما الحروب والدمار وأشكال العنف ولون الدم في خلق إثارة الجذب، والحرب أينما وقعت والموت اينما حل يصلان إلى غرفتك الخاصة اولا بأول..
الا يستطيع الشعر الإنساني ان يتظاهر ضد هذا الاكتئاب المرير ليمقته؟ هذه دعوة لشعراء العالم لينشدوا أناشيدهم ضد بارجات الدمار وصواريخ الموت والعربات المفخخة..