تعتبر المواجهات التي حدثت في جنوب تونس بداية العام الحالي بين قوات الأمن وعناصر أصولية إسلامية قيل انها تنتمي إلى جماعات سلفية مرتبطة بالجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، بمثابة نقلة نوعية في علاقة تونس بهذا الشكل من الإرهاب والذي كان آخرها ما حدث في تجربة عام 2002 عندما تم تفجير معبد يهودي هناك.
وكان الظن السائد لدى المراقبين هو أن تونس قدمت نموذجا مهما في مناهضة الجماعات الأصولية وعلمنة الدولة لم تستطع الدول العربية الأخرى القيام به. ونقصد هنا تهميش حركة النهضة التي يتزعمها راشد الغنوشي وتجفيف منابع التطرف الإسلامي وهو الأمر الذي جعل من تجربتها توازي التجربة التركية الأتاتوركية.
وهناك من رأى أن ما حدث هو رد فعل طبيعي لسياسية الدولة إزاء المجتمع وتبنيها للحداثة الغربية، ولكن في شق واحد منها المتعلق بالثقافة لكنها في الجانب السياسي وما يتعلق بتطبيق الديمقراطية طبقت نموذج التعددية المقيدة التي لا تسمح بأي درجة من درجات تداول السلطة،
وفي الجانب الثقافي نفسه فإن الدولة في تونس من خلال أجهزتها الأيديولوجية هي التي اضطلعت بانجاز المشروع الذي يتسم بنزعة حداثية في مختلف مراحله، غير أن هذه النزعة الحداثية لم تكن كوعي مطابق للحداثة في مفهومها التاريخي، باعتبارها بنية كلية عرفتها تجربة الثورة الديمقراطية البرجوازية الأوروبية،
في ارتباطها العضوي بالتحديث بوصفه عملية ثورية من التحول الاقتصادي والتكنولوجي في بنية المجتمع، تحققت مع الثورة الصناعية في الغرب، وإنما هي نزعة حداثية تجسدت في عقلانية برنامج أساسي للنخبة السياسية ـ الإدارية الحاكمة، استعادت به «رسالة المستعمر (بكسر الميم) التمدينية»، حسبما يقول عدنان المنصر في كتابة حول ايديولوجية الدولة في تونس.
ثم ان هذه النزعة الحداثية كظاهرة تونسية لها خصوصيتها، فقد قادها بورقيبة وارتبطت بشخصيته الكاريزمية التي تتدخل في كل المجالات بدون استثناء. وهي ناجمة بالدرجة الأولى عن الاحتكاك والتأثر بالحداثة الأوروبية خلال العصر الامبريالي، ومرتكزة في الوقت عينه على الايديولوجيا القومية الكلية القادرة، مثل بناء «الأمة التونسية»، والخصوصية التاريخية والحضارية لتونس،
وخصوصية حركتها الوطنية التحررية التي حققت الاستقلال السياسي، وبنت أول سلطة وطنية تحكم البلاد، على نقيض كل السلطات السابقة التي كانت في معظمها إما أجنبية أو تركية، وعلى مبدأ «القومية التونسية» التي لم تتحدد فقط كحركة تمايز عن المشرق العربي وإنما بالأساس كأداة تعبئة وتوعية للجماهير الشعبية في مواجهة الغزو الاستعماري.
فقد كان هذا المبدأ، في المرحلة الاستعمارية، أرضية يمكن أن يجتمع حولها التيار الديني التقليدي ممثلاً في حزب الدستور القديم، والحزب الشيوعي التونسي، والتيارات الاشتراكية الأخرى، فمهما تباينت المواقف السياسية، فإن «الحفاظ على الشخصية التونسية» من الذوبان والفرنسة، لا يمكن أن يكون مصدر اختلاف أو خلاف.
يضاف إلى ذلك أن الدولة التونسية جعلت من الحداثة أمراً لا يمكن التراجع عنه، غير انه لم يكن من الحتمي أن يتوازى ذلك مع استعمال متصاعد للإكراه تجاه الأفراد والجماعات السياسية، بل ان لجوء الدولة الوطنية لمنهجية استعمال وسائل الإكراه المختلفة لفرض خياراتها قد حكم على مجهودها تدريجياً بالقصور، وعلى خطابها بالفجاجة.
ونظراً للبعد الوصائي لهذه الدولة على المجتمع، فقد لعبت جميع الوظائف في الوقت عينه، صامة آذانها عن الانتقادات وغير مراعية للتحولات التي كانت تعتمل داخل المجتمع، فأدى ذلك المسار في نهاية الأمر إلى كثير من الاحباطات وخيبات الأمل، وأعاق إلى حد كبير، بلوغ الحداثة المنشودة.
وما نستخلصه من أطروحة عدنان المنصر هو ان الدولة لعبت دور الوصي على عقول شعبها من جهة وأنها طبقت الحداثة عليه في بعض الأحيان قسراً، وهذا الأمر ولد عداء لفكرة الحداثة كان من تجلياته التيارات الدينية المتشددة. وهي عندما مارست دورها القسري في إزاحة هذا التيار من خلال «حركة النهضة» بحث أعداء الحداثة عن أطر جديدة وفي مقدمتها الحركات السلفية الجديدة التي كانت العناصر المسلحة في مقدمتها.
إزاء هذا الوضع كانت التربة التونسية مهيأة تماما للجماعات السلفية التي تتخذ طابعا أمميا وتتبنى سياسة مواجهة الدولة بالعنف، في الوقت الذي كانت فيه الدولة تضيّق على الإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة.وهناك عناصر ساعدت الفكر السلفي على الانتشار في شمال افريقيا منها بساطة الأطروحات وسيطرة التفكير الديني على قطاعات كبرى من المواطنين في هذه الدول خاصة مع الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها والتي انعكست تجلياتها سلبا على الشباب هناك.
وكانت السلفية العلمية تمثل الحل السحري أو التقليعة التي ابتكرتها مصالح الأمن العربية في أعقاب غزو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للكويت، حيث كان خطر استقطاب الإسلاميين العرب الأفغان واردا لضرب المصالح الأميركية، فكان أن خرجت السلفية العلمية، التي فسرت قرار الاستعانة بالقوات الأميركية على أنه «اجتهاد حاكم» وأن الخروج على الحكَّام «كبيرة من الكبائر».
وقد أثبتت الشهور التي أعقبت حرب الخليج الأولى، أن عملية إلهاء الأفغان العرب قد نجحت بعض الوقت، غير أن النجاح لم يستمر وفضّلت مصالح الأمن العربية ترك غضب الأفغان العرب من مواطنيها وغيرهم، كي ينفجر في البوسنة والهرسك أو بعيدا في بلاد الشيشان، وهو ما يُظهر أن المعادلة معقّدة ولا يُمكن الادِّعاء أن التعامل الأمني كفيل وحده بالقضاء عليها.
وحسب ما يقول الباحث الجزائري هيثم رباني استمرت المواجهات والتلاسنات بين السلفيتين، العلمية والجهادية، في الجزائر والمغرب، وامتدت إلى كل من تونس وليبيا وموريتانيا، بدليل انضمام شباب موريتاني كثير إلى الجماعة السلفية الجزائرية ونفذوا معها هجمات عديدة ضد قوات الأمن الجزائرية والموريتانية في السنوات الثلاث الأخيرة.
على أن ولادة الجماعة السلفية الجزائرية لا يمكن مقارنتها بمثيلاتها التونسية والمغربية والموريتانية، لأن الجزائرية خرجت غاضبة عام 1998 من أدغال الجماعة الإسلامية المسلحة التي اشتهرت بمذابحها المروِّعة ضد المدنيين، ورفض مؤسسو الجماعة سياسة التذبيح، رغم أن إعلان الرفض قد تأخر بعض الوقت، قتل خلاله الكثيرون.
وحول عدد السلفيين المسلحين في بلاد المغرب العربي، تذهب أقصى التقديرات لأجهزة الأمن الأوروبية والمغاربية، إلى أن عددهم لا يتجاوز الثلاثة آلاف شخص، موزّعين على خمسة ملايين كيلومتر مربع أو أكثر، ويتحركون ضِمن حدود طولها يُقارب عشرة آلاف كيلومتر.
وحسبما يرى صلاح الدين الجورشي فقد شهدت تونس في فترة قياسية موجة تدين غير مسبوقة، شملت كل الأجيال، واخترقت جميع الأوساط. وتجلى ذلك في إقبال كبير على أداء الصلاة في المساجد. وتحول مئات الآلاف ـ حسب بعض التقديرات ـ من الفتيات والنساء إلى لبس أنواع مختلفة من أنماط الحجاب، بما في ذلك وضع النقاب.
وقد شكل ذلك صدمة قوية للنخب العلمانية من جهة والسلطة السياسية من جهة أخرى، التي ظنت أن سياسة «تجفيف المنابع» التي نفذتها منذ مطلع التسعينات قد أبعدت شبح التطرف الأصولي عن تونس نهائيا. وبدل أن تدرس الظاهرة في عمقها ويفتح المجال للخبراء حتى يحددوا الأسباب والأبعاد المختلفة، تم اللجوء بسرعة ومن جديد إلى المعالجة الأمنية.
في ظل تلك الأجواء المشحونة إقليميا، والمتكلسة محليا نتيجة رفض السلطة حتى مجرد الانفتاح على النخب السياسية العلمانية، وعدم التفاعل مع الأيدي الممدودة لها والمطالبة بالإصلاح والحوار، انطلقت بعض العناصر المتأثرة بأفكار «السلفية الجهادية» التي تعتبر «القاعدة» عنوانا رئيسيا لها، تفكر في كيفية اختراق الجدار الأمني الذي يسيج المجتمع التونسي، وكان أقرب محضن لذلك جهتين: «الجماعة السلفية للدعوة والقتال «الجزائرية، و«الجماعة الليبية للقتال».
لكل هذه الأسباب يمكن القول إن تونس يمكن أن تكون قد دخلت في دائرة الإرهاب في الوقت الذي تستعد فيه دول مجاورة لها للخروج منها. فهل تتخذ من الخطوات غير الأمنية ما يبعدها عن هذه الدائرة، مستمدة ذلك من تجارب أخرى ناجحة في جوارها. هذا هو السؤال الذي على النخبة التونسية أن تجيب عنه.
كاتب مصري