الرئيس الأميركي جورج بوش اعترف بأن العملية السياسية التى جرت بالعراق وصعد فيها الطائفيون وفرق ولصوص النفط، لم تحقق ما كان يرجو منها.. اعترف، أيضا، بأن قوات بلاده تعانى فى العراق وتتعرض يوميا للهجمات وأن بلاده تتحمل كلفة باهظة وفاتورة تقترب من فاتورة الفيتنام، من حيث أعداد القتلى والجرحى ومن حيث الكلفة الاقتصادية الغالية ومن حيث تمرغ صورة بلاده فى الوحل.
لكن، ولسوء حظ بوش، لا يبدو أن أياً من الاقتراحات المطروحة أمامه قادرة فعلاً على إخراج الولايات المتحدة من ورطتها، بحيث لم يعد أمام بوش سوى اللجوء إلى تنفيذ أقل الخيارات سوءاً علها تحد - ولو قليلاً- من انزلاق العراق السريع نحو الكارثة المحققة، جاراً وراءه مزيدا من الانتكاسات من خلال اللجوء اضطراريا إلى الزيادة في عدد جنوده في العراق لتفادي الهزيمة الكبرى.
وضمن هذا المنظور يرى بوش أن الزيادة في عديد القوات الأميركية وتعزيز تواجدها في بغداد أمر لا مفر منه لتسهيل نقل السلطات من يد الأميركيين إلى الحكومة العراقية قبل التفكير في الخروج من العراق والعودة إلى أرض الوطن. بيد أن المشكلة من وجهة نظر القادة العسكريين،
الذين أبدوا تحفظهم إزاء خطة بوش الجديدة القاضية بتعزيز القوات الأميركية في العراق، تكمن في عدم جدوى تلك الخطة في وقف الاقتتال الطائفي الدائر حالياً بين العراقيين، أو حتى وقف استهداف أفراد الجيش الأميركي من قبل المقاومين. وهناك الكثير من الأسئلة طرحتها أكثر من جهة على صلة بالملف العراقى حول استراتيجية بوش، من ذلك: ما قيمة العشرين ألف جندى وماذا يمكن أن يفعلوا فيما عجز عن أدائه 140 ألفا طيلة أزيد من ثلاث سنوات؟.
وهكذا تحولت الحرب في العراق التي كان من المفترض أن تكون نصراً لإدارة الرئيس بوش ولنظريته المرتكزة على نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، إلى كابوس حقيقي يقض مضاجع المسؤولين الأميركيين. ورغم مؤشرات الفشل التي أصبحت واضحة للجميع مازال الرئيس بوش يرفض الاعتراف بإخفاقه ليس لعدم إدراكه الحقيقة،
بل لأنه لا يريد تحمل المسؤولية ما دام موجوداً في البيت الأبيض. وهو لهذا لا يتوانى عن الدفع بقناعاته المتشبثة بإمكانية تحقيق النصر في العراق، بحيث أصبحت وسيلة لربح الوقت وإطالة أمد الأزمة قبل الخروج من البيت الأبيض، وتوريثها لخلفه الذي سيحل محله.
أمام هذه المقدمات، لا شك أن أى محلل أو سياسى عادى سيخلص إلى المطالبة بانسحاب فورى من العراق، لكن الرئيس بوش يضرب عرض الحائط بالمنطق والعقل وبمناشدات وتوصيات الجنرالات الأميركيين الواقفين على خط النار، ويقفز على رفض الديمقراطيين لسياساته ويتحدى الرأي العام الأميركي الذي تتفق أغلب الاستفتاءات على أنه سئم الحرب ويريد الانسحاب من العراق..
وليس عن عبث أن تعليقات أميركية وأوروبية استخلصت من بيان الرئيس بوش حول إرسال قوات إضافية إلى العراق ورفض مبدأ سحب قوات الاحتلال من العراق في الوقت الحاضر أو في المستقبل القريب، إن الأمر يتعلق بمخطط أميركي لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران تحت شعار منع هذا البلد من الوصول إلى السلاح النووي.
ويربط أصحاب هذا الاستنتاج ما توصلوا إليه بالتحركات العسكرية الأميركية المريبة في مياه الخليج ومنها إشارات وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس إلى أن تعزيز التواجد العسكري في المنطقة هو إشارة قوية إلى طهران للحيلولة دون تدخلها في العراق.
وبموجب هذه المعطيات، فانه يجب على العراقيين ان لا يراهنوا على خطة بوش ، وان يستنتجوا ان الحل مقرون بهم لا بإستراتيجية أميركا المزعومة ، فهذه الإستراتيجية هي إستراتيجية إقليمية الغرض منها حماية مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والمضي بتعبيد طريقهم نحو السيطرة عليه بكل الوسائل الممكنة ان كانت عن طريق العراق ام عن طريق غيره.
والحل فى العراق لن يكون إلا حلا سياسيا توافقيا بين العراقيين، أى بالمصالحة الواسعة التي لا تأثير فيها ولا امتياز للقوى الإقليمية أو الدولية، وهذا لا يتأتى إلا بحوار عراقى - عراقى يجبر الإدارة الأميركية على اعلان جدولة واضحة لانسحابها من العراق.
benhadnal@yahoo.fr