في بداية الأسبوع الماضي أعلن سيرجي ايفانوف وزير الدفاع الروسي ونائب رئيس الحكومة (والمرشح لخلافة الرئيس الحالي فلاديمير بوتين) أن بلاده قد نفذت كامل التزاماتها تجاه إيران وفق العقد الموقع في بداية ديسمبر الماضي، حيث قامت بتسليم القوات الإيرانية 29 منظومة صاروخية دفاعية (تور-أم1) المضادة للطائرات،
من المعروف أن المهمة التي تقوم بها منظومة صاروخية دفاعية من طراز (تور-ام1) هي حماية المنشآت الحيوية من الضربات الصاروخية والجوية، وهي المنظومة الدفاعية الوحيدة في العالم القادرة على رصد وتحديد 48 هدفاً، وقصف هدفين في نفس الوقت على ارتفاع 206000 متر، ويصل صاروخ «تور - ام1» إلى الأهداف المطلوب تدميرها (الطائرات والمروحيات على اختلاف أنواعها بما فيها الطائرات بلا طيار وأيضاً الصواريخ المجنحة) على ارتفاع 10 كيلومترات، ويجهز نظام «تور - ام1» بأجهزة متطورة للحماية من التشويش.
وتأتي تصريحات الوزير الروسي عقب صدور قرار مجلس الأمن القاضي بمنع توريد مواد وتقنيات تستخدم في تخصيب اليورانيوم وتصنيع الأسلحة النووية إلى إيران، وبعد أن فرضت الإدارة الأميركية عقوبات ضد مؤسسة «روس ابورون اكسبورت» المصدر الرئيسي للأسلحة والتقنيات العسكرية في روسيا،
ومؤسستين لتصميم المعدات والتقنيات العسكرية، بسبب قيامها ببيع أسلحة لإيران. إلا أن إيفانوف اعتبر أن المنظومة الصاروخية الدفاعية من طراز (تور-ام1) لا تخضع للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة في قرار مجلس الأمن، مؤكداً أن موسكو تحرص على مواصلة تعاونها العسكري مع إيران، في إطار احترام القرارات والمواثيق الدولية.
وكان من الطبيعي أن تثير تصريحات وزير الدفاع غضب الولايات المتحدة، حيث أعرب الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية عن خيبة أمل واشنطن وشعورها بالإحباط من قيام روسيا بتوريد المنظومات الصاروخية الدفاعية لإيران، ومن البديهي أن يشعر البيت الأبيض بالإحباط من توفر القدرة الدفاعية لدى طهران لحماية منشآتها من آية ضربات عسكرية متوقعة، باعتبار أن وزارة الدفاع الأميركية قد بدأت بالفعل في أعداد عدة خطط لتوجيه ضربات عسكرية ضد المنشآت الإيرانية النووية.
وبدون التوقف أمام قدرات هذه المنظومات الصاروخية، وهل هي دفاعية أم هجومية، إلا أنها بالتأكيد ستوفر لإيران قدرات دفاعية جديدة ستجبر واشنطن على مراجعة حساباتها فيما يخص خطط البنتاغون بتوجيه ضربة عسكرية لإيران. وهو ما تعتبره موسكو أمراً حيوياً، بل وهدف يستحق خوض معركة سياسية.
خاصة وأن منظومة الصواريخ (تور-أم1) هي مجرد منظومة دفاعية متوسطة المدى لمواجهة الطيران المهاجم لشل ضرباته ضد الأهداف الأرضية، حيث يسود الاعتقاد في أوساط القيادة الروسية أن امتلاك إيران لأسلحة دفاعية متطورة سيجبر الولايات المتحدة على التراجع عن فكرة توجيه ضربات عسكرية
وبالتالي إشعال فتيل الحرب في المنطقة مرة أخرى، إذ يعتقد السياسيون الروس أن البيت الأبيض لم يتعظ من تجربة العمليات العسكرية ضد دول المنطقة بعد فشله في العراق، بل أن بعض مجموعات القرار الأميركي تدفع باتجاه توجيه ضربة عسكرية ضد إيران، لتقوية مواقعها السياسية، وتقليص آثار فشلها في حل الأزمة العراقية.
ومن غير المستبعد أن تكون المعلومات التي نشرتها جريدة «السياسة» الكويتية، والتي تفيد بنوايا الأميركيين لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران حتى بداية ابريل المقبل، متوفرة لدى الكرملين منذ نهاية العام الماضي مما جعل موسكو تتعجل إرسال المنظومات الصاروخية وتنفذ العقد الموقع مع طهران خلال أقل من 6 أسابيع من تاريخ توقيع العقد،
خاصة أن الرئيس الأميركي جورج بوش قد أعلن منذ أيام في اجتماع عقده مع نائبه ديك تشيني ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت غيتس أن إيران أصبحت مصدر خطر على أمن المنطقة، ودعا لإعداد خطة هجوم عسكري ضد طهران، مشيراً إلى ضرورة مواصلة الضغط السياسي على الحكومة الإيرانية حتى أبريل المقبل. ولم تستبعد رايس إمكانية توجيه ضربات ضد سوريا وإيران خلال الفترة المقبلة.
وفي أعقاب هذه التصريحات قامت وزيرة الخارجية الأميركية رايس بجولة مكوكية في المنطقة، تناولت ـ وفق مصادر موثوقة في الأوساط الدبلوماسية العربية ـ ردود الفعل المحتملة في حال قيام الولايات المتحدة بعمليات عسكرية ضد إيران.
وبالرغم من تطمينات واشنطن لدول المنطقة، والتي تفيد بأن القوات الأميركية ستحمي الدول المجاورة باستخدام منظومة صواريخ «باتريوت» كما أشارت الجريدة الكويتية، إلا أن موسكو تعتقد أن الخطورة لا تقتصر فقط على أمن الدول المجاورة، وإنما على أمن الشعب الإيراني الذي يمكن أن يفقد آلاف المدنيين الأبرياء من جراء الضربات العسكرية التي تنوي واشنطن توجيهها إلى المنشآت الإيرانية،
باعتبار أن القوات الاستراتيجية الأميركية مشهورة بارتكابها أخطاء في التصويب، عادة ما تدمر أهدافاً مدنية، دون المساس بالأهداف العسكرية، ناهيك عن أن تجربة العراق أثبتت بالدليل القاطع أن القوات الأميركية لم تتمكن من حماية دول الجوار من تداعيات ومضاعفات عملياتها العسكرية في العراق. بل إنها غير قادرة على حماية البعثات الدبلوماسية الأجنبية في العراق والتي أصبح وجودها في بغداد رمزياً يقتصر على بضعة أشخاص.
في هذا السياق لم يكن أمام روسيا سوى تجهيز القوات الإيرانية بأسلحة دفاعية، ليس فقط لحماية حليفها، وإنما أيضاً لتجنيب المنطقة ويلات حرب ثانية غير مدروسة قد تشنها واشنطن، دون التعامل مع مصائر شعوب المنطقة بمسؤولية، ودون احترام لسيادة هذه الدول وحقوق شعوبها.
إن فشل الولايات المتحدة في فرض حصار اقتصادي ضد إيران عبر مجلس الأمن يمكن أن يقودها للقيام بمغامرة عسكرية ضد إيران، وتفيد تجربة العراق أن واشنطن لا تنتظر موافقة المجتمع الدولي للقيام بهذه العملية التي لن تعاني من ويلاتها سوى دول المنطقة.
في ظل هذه المعطيات أكد أليكسي ماكاركين نائب المدير العام لمركز التكنولوجيا السياسية أن تصعيد النزاع الأميركي الإيراني يؤثر على مصالح الدول المجاورة لإيران. محذراً من حدوث انفجار مشكلات جديدة في العراق ـ في حال استخدام «القوة العسكرية» ضد إيران ـ بعد أن شغل منصب رئيس الوزراء ممثلو الشيعة الذين تربطهم بإيران علاقات تاريخية. وستزداد حدة المخاطر السياسية في أفغانستان وباكستان. ويمكن أن تواجه مشكلات معقدة أيضاً دول ما وراء القوقاز المجاورة لإيران.
كاتبة روسية