أنهت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس جولة عرمرمية أخرى للمنطقة شملت الدول التي تصنفها الإدارة الأميركية، على أنها دول معتدلة، ولكن من دون أن تتحدث عن محور مثلما فعلت في جولتها السابقة.ومن لم تحظ من الدول المعتدلة، بزيارة خاصة كما حصل بالنسبة للأردن ومصر والسعودية، حظيت بلقاء جماعي في الكويت، ضم دول مجلس التعاون الخليجي،

بالإضافة إلى وزيري خارجية كل من مصر والأردن، استهدف من قبل الوزيرة الأميركية تكريس هذا المحور من ناحية، والاستماع من كل الدول التي حضرت الاجتماع، بشأن ما تحمله من ملفات وأفكار قبل أن تقفل عائدةً إلى بلادها لتقديم تقريرها لإدارة الرئيس بوش، والاجتماع برئاسة الاتحاد الأوروبي التي تتسلمها ألمانيا.

الوزيرة الأميركية حملت إلى المنطقة ثلاثة ملفات رئيسية متداخلة حد التشابك، وهي ملف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وملف العراق، فضلاً عن الملف النووي الإيراني، مع تصنيف واضح يرجح لصالح إعطاء الأولوية للملف العراقي الذي يتصل مباشرةً بالملف الإيراني من حيث انعكاساته على الوضع داخل العراق، وعلى العملية السياسية الجارية هناك، واتجاه تطور الأوضاع في ذلك البلد، ومن حيث أبعاد ومخاطر استمرار إيران في برنامجها النووي.

كوندوليزا رايس جاءت إلى المنطقة تسبقها تصريحاتها بالنسبة لموضوع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، التي أكدت خلالها أنها لا تحمل مقترحات أو خطة وأنها ستبحث في تسريع تطبيق خارطة الطريق وأنها ستؤكد التزام بلادها بإقامة دولتين إسرائيلية وفلسطينية.

تستهدف الإدارة الأميركية من لقاءاتها مع المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين معاودة الإمساك بكامل هذا الملف وتجنيب إسرائيل ضغوطات محتملة، بعد أن اتضح تزايد الحماس لدى الأوروبيين لتطوير دورهم في العملية السياسية التي تتصل بالسلام في الشرق الأوسط، وانطلاقاً من تقييم يلتقي مع استنتاجات لجنة بيكر-هاميلتون، والتي ترى بأن معالجة الوضع في العراق ونجاح أي إستراتيجيات تجاه الشرق الأوسط، وحتى النجاح في محاربة الإرهاب مرهون بمعالجة ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي.

وفي السياق فإن الإدارة الأميركية عادت للتشديد على ضرورة التسريع في تنفيذ خارطة الطريق لتحقيق رؤية الدولتين كخطة اعتراضية تناسب المصالح الإسرائيلية، لفكرة عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط تبنتها كل من فرنسا، اسبانيا ومدريد، وتلاقي المزيد من التأييد خصوصاً من الدول العربية وجامعة الدول العربية التي أكد أمينها العام عمرو موسى، أنه أجرى اتصالات واسعة وتلقى ردود فعل إيجابية بشأن هذا المؤتمر الذي يرى أن عليه أن ينعقد تحت علم الأمم المتحدة.

من خلال لقاءاتها مع المسؤولين الفلسطينيين والإسرائيليين وبعد أن أدركت رفض السلطة الوطنية الفلسطينية لفكرة قيام دولة ذات حدود مؤقتة، يخشى الفلسطينيون أن تصبح دائمة ويفضلون بدلاً عنها الدخول في مفاوضات مباشرة حول الحل الدائم، رايس خرجت بتأييد فكرة كان الرئيس عباس قد أطلقها ودعا من خلالها لفتح قنوات تفاوضية سرية، وأيضاً بالتفكير في عقد لقاء ثلاثي يضمها إلى أولمرت وعباس، أشارت المصادر الأميركية إلى أنه قد يتم خلال أسابيع، وتعتبره رايس اللقاء الأهم سياسياً في المنطقة منذ ست سنوات.

رايس ستبحث في اللقاء الثلاثي الأفق السياسي للدولة الفلسطينية وبذلك فإنها تكون قد أجابت عن أحد أبرز الطلبات التي استمعت إليها من الزعماء العرب مقابل ترحيبهم بالإستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه العراق، ولكن من دون أن تقطع على نفسها أية التزامات محددة تحتاج إلى فحصها والحصول على موافقة إدارة بوش عليها قبل أن تصبح قابلة للتنفيذ.

في الوقت ذاته تكون رايس قد خطفت المبادرة من أيدي الأوروبيين، وتركتهم ينتظرون ما ستفعله الإدارة الأميركية، دون أن تمانع في تفعيل بعض الاتصالات والآليات التي تتعلق بهذا الملف، بما في ذلك عقد اجتماع للرباعية الدولية ولكن أيضاً دون تفعيل مبادراتهم الخاصة بعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط ترفضه من حيث المبدأ كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي الواقع تستطيع الإدارة الأميركية إقناع أوروبا والمتحمسين لاستنتاجات لجنة بيكر- هاميلتون ويتهمون إدارة بوش بتجاهلها من أن هذه الإدارة قد أخذت بعض أهم هذه الاستنتاجات خصوصاً بعد أن كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، في عددها الثلاثاء الماضي، السادس عشر من الجاري، عن اتصالات سرية تجري بين سوريا وإسرائيل. وتدعي الصحيفة أنهما توصلتا إلى اتفاق بشأن تفاهمات يمكن أن تؤدي إلى توقيع اتفاقية سلام فيما بينهما.

إلى ذلك، حصلت رايس خلال جولتها على موافقة ودعم الدول العربية التي زارتها، خصوصاً مصر والسعودية، لاستراتيجيتها في العراق وتقضي بزيادة عدد القوات الأميركية التي وصلت طلائعها إلى العراق، وتتطلب دعم العملية السياسية وإعادة دمج العراق في الوضع العربي، ومحاصرة الدور الإيراني تجاه العراق.

وربما أيضاً حصلت رايس على قبول العرب خصوصاً أهل الخليج بشأن توسيع وجودها العسكري في مياه الخليج والمنطقة بدعوى حمايتها من الخطر النووي الإيراني، والدور الإيراني الذي يحظى عموماً بتزايد مستمر.

وبغض النظر عن مدى الاتفاق والاختلاف مع مواقف الدول العربية التي زارتها رايس خلال هذه الجولة، فإن المواقف النظرية جاءت واقعية ومقبولة، حيث شدد المسؤولون العرب على ضرورة الاهتمام بالملفات الأخرى أسوةً بالملف النووي الإيراني، والمقصود هنا الملف النووي الإسرائيلي، وعلى ضرورة إعادة بناء العملية السلمية وحل القضية الفلسطينية وبذل جهد ملموس أكبر لمعالجة هذا الملف.

إزاء هذه الملفات وخصوصاً ما يتصل منها بزيارة رايس لكل من إسرائيل وفلسطين، اتفقت الحكومة الفلسطينية على لسان رئيسها إسماعيل هنية مع الرئيس عباس وبقية الفصائل على رفض فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة، غير أن هنية وضع زيارة رايس في إطار الشبهة الكاملة، ليس ببعدها السياسي فقط وإنما ببعدها الذي يتصل بالوضع الداخلي الفلسطيني.

فيما يتعلق بالبعد السياسي، اعتبر هنية أن الإدارة الأميركية لن تمارس الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات جوهرية للشعب الفلسطيني، وبأن الموقف الأميركي يدفع باتجاه تخدير الوضع الفلسطيني بتقديم بعض التسهيلات للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني على الحواجز والإفراج عن بعض الأموال التي تحتجزها إسرائيل لوضعها في يد الرئاسة الفلسطينية وتقديم بعض الإنجازات لمن تسميهم رايس بالمعتدلين على الساحة الفلسطينية لتعزيز قدراتها على الساحة.

ويعتقد هنية أن كل تلك التسهيلات تأتي مقدمة على أمل بأنه في حال إجراء انتخابات مقبلة أو مبكرة، تكون لهم (للمعتدلين) فرصة لكي يعيدوا إمساك الحالة الفلسطينية وبالتالي تسهيل التوصل إلى تسوية ترضى عنها أميركا وإسرائيل.

هذه الاتهامات تسبب بلا شك تكدراً لدى الرئيس عباس، وتنضاف إلى جملة التصريحات والتصريحات المضادة بين حركتي حماس وفتح، بعدما أعلنه رئيس الحكومة من توقف الحملات الإعلامية والتحريضية من طرف واحد هو حماس، وفي ظل تكثف الاتصالات والوساطات التي يقوم بها كل من عضو المجلس التشريعي الدكتور زياد أبو عمرو وخالد إسلام، بدعم قطري ومصري وسوري، من أجل التوصل لاتفاق بشأن حكومة وحدة وطنية تكثر الشائعات والأخبار التي تتحدث عن قرب التوصل إليها.

الشارع الفلسطيني تتنازعه الكثير من مشاعر التشاؤم والقليل من مشاعر التفاؤل بشأن إمكانية نجاح الحوار الذي يجري في الخارج، وفي الداخل، خصوصاً إذا سادت الشكوك وتعمقت أزمة الثقة بين الرئاسة والحكومة، وحركتي حماس وفتح بشأن نوايا بعضهم تجاه بعض، وفي ظل استمرار حالة الاحتقان والتحريض على الأرض، واستمرار الاحتكاكات الصعبة، وإن كان ذلك على نطاق قد لا يستدرج الفضائيات لتغطيتها.

وإذا كانت الولايات المتحدة تروج لمواصلة الحرب في العراق، ولا تطمع من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أكثر من التحلي بالهدوء، ومواصلة التحدث مع بعضهما البعض والاكتفاء ببعض الإيماءات والإجراءات التخفيفية، فإن استمرار الانقسام الفلسطيني واستمرار أزمة الثقة والتسابق السياسي والسلطوي، من شأنه أن يعفي الإدارة الأميركية والأوروبيين ويحرج العرب إزاء ضرورة الإسراع بإعادة بناء العملية السياسية ونحو معالجة ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي.

على أن ما سربته صحيفة هآرتس رغم النفي السوري، وما صرح به قبل أيام رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل من أن حركته تقر بأن دولة إسرائيل موجودة، قد يفسر الجهد الإيجابي الذي يبذل من قبلهما من أجل التسريع في التوصل إلى اتفاق بشأن إقامة حكومة وحدة وطنية تشكل نوعاً من الهدنة المؤقتة بين حركتي حماس وفتح، وبما يفرض على المجتمع الدولي إبداء اهتمام أكبر بالقضية الفلسطينية وإلا كانت الخسارة للفلسطينيين أكثر من فادحة.

كاتب فلسطيني