قبل اثنتي عشرة سنة تعرض طالب سويدي يدعى «ستيفان رولاندر» للضرب المبرح على يد إحدى العصابات الطلابية في أحد أحياء العاصمة استكهولم، وعلى إثر ذلك أصيب ستيفان بجروح وإصابات بليغة أقعدته في الفراش لمدة سنتين دون حراك تقريباً وصنّفته ضمن خانة «المعاقين». أما اليوم فإن ستيفان يستطيع استخدام الكرسي المتحرك في شقته التي يسكنها وحيداً.
في هذه الشقة التي صرفت الحكومة أكثر من 14 ألف دولار على تجهيزها بأدوات وأجهزة تلائم حاجاته الجسدية والذهنية، يستطيع ستيفان أن يستخدم الحمام لوحده، ويستطيع أن يعد لنفسه وجبة في مطبخه الذي تتحرك معظم أجزائه في تناغم فريد لخدمته أو بالأصح لمساواته مع بقية أفراد المجتمع.
تتكون شقة ستيفان من ثلاث غرف، الأولى يستخدمها كغرفة نوم، والثانية مجهزة بالمعدات الرياضية والطبية التي يستخدمها الفريق الطبي ـ المكون من أربعة أشخاص عينتهم الحكومة لتأهيله، والذي يقيم معه بالتناوب في الغرفة الثالثة ـ لمساعدته على ممارسة الألعاب الرياضية التي يحبها والتي تساعده على إعادة تأهيل عضلاته وتمرينها، كما يتم تدريبه على استخدام بعض الآلات الموسيقية التي تنمي خلايا مخه التي تأثرت بالضرب المبرح.
وقبل عدة سنوات أعدت الحكومة السويدية خطة عمل تنتهي في عام 2010 تقوم على أساس مساواة أفراد المجتمع المعاقين بالأسوياء، ليتمكن المعاقون من الحصول على حقوقهم كباقي أفراد المجتمع دون تصنيفهم في خانات معينة، وفي المقابل عليهم الالتزام بواجباتهم تجاه المجتمع بما يتناسب مع قدراتهم الجسدية والذهنية،
وبلغة أبسط، حتى يتمكن المعاق من استخدام المرافق العامة كزيارة المتاحف والحدائق دون الخوف من العقبات التي ستواجهه في الطريق، وحتى يستطيع أن يزور المؤسسات الحكومية لإجراء معاملاته الخاصة دون أن يقف الموظف الحكومي حجر عثرة في طريقه ودون أن يخشى من وقوفه حائراً بكرسيه المتحرك أمام سلم المؤسسة الذي يقف أمامه كالطود العظيم.
إن تاريخ حقوق الإنسان في السويد يعود إلى عشرات السنين، فهي من أوائل الدول التي أصدرت تشريعات وقوانين تلزم المدارس بإلحاق الأطفال المعاقين بها دون التفرقة بينهم وبين باقي الأطفال، وهي أيضاً من أوائل الدول التي قامت في بدايات الستينات من القرن المنصرم بسن قوانين تمنع جميع المدارس أياً كانت من رفض أي طفل معاق ما عدا أولئك الذين تعد إعاقتهم بالغة التعقيد، ومن نافلة القول أن نذكر بأن السويد فرضت نظام التعليم الإجباري على جميع الأطفال عام 1842م.
وفي السويد يقع جزء كبير من مسؤولية الاهتمام بالمعاقين على عاتق البلديات المحلية، حيث تلتزم هذه البلديات بتوفير الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي لكل فرد معاق، فهي مسؤولة عن تأمين وسيلة للتنقل لكل معاق لا يستطيع التكفل بها، وهي مسؤولة عن توفير مساكن تتناسب مع احتياجات المعاقين المختلفة، بل وعليها مسؤولية توفير من يمثل المعاق في المحافل الرسمية كالانتخابات مثلاً في حال عدم تمكنه من ذلك، ولذلك تولي كل من الحكومة والبرلمان اهتماماً بالغاً بميزانيات البلديات حتى تضمن أن يحصل كل معاق على حقه في جميع المدن بلا استثناء في بلد مترامي الأطراف.
وإلى جانب البلدية تقوم مجالس المقاطعات بتقديم الخدمات الصحية والطبية إلى المعاقين، وتشرف على برامج التأهيل التي ينخرطون فيها في المراكز المتخصصة وتتابع تقدم حالاتهم أولاً بأول، كما توفر هذه المجالس آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا من أجهزة وتقنيات تساعد المعاق على العيش بصورة أشبه بالطبيعية.
ولم تغفل الحكومة جانب التوظيف بالنسبة للمعاقين، فأسست وكالات حكومية مهمتها الأساسية إيجاد وظائف تتناسب مع كل حالات المعاقين المختلفة، بل وتقترح مبادرات حكومية لتشجيع مؤسسات القطاع الخاص على توظيف المعاقين، كتقديم امتيازات حكومية للمؤسسات التي توظف أكبر نسبة من المعاقين، وفي حال تعذر حصول أحد المعاقين على وظيفة فإن الحكومة تخصص له راتباً شهرياً يعينه على أعباء الحياة ويوفر له حياة كريمة كأي فرد من أفراد المجتمع.
وحتى تضمن الحكومة التزام جميع المؤسسات الحكومية والخاصة بالقوانين التي وضعت لتسهيل حياة المعاق، قامت بتأسيس مكتب أطلقت عليه اسم «مكتب المعاقين السويديين» يضطلع بالتحقيق في الشكاوى التي يتقدم بها المعاقون تجاه أي جهة تتجاهل حقوقهم،
فعلى سبيل المثال إذا ذهب شخص معاق إلى مركز تجاري ولم يجد فيه حمامات خاصة بالمعاقين فإن له الحق بتقديم شكوى لدى هذا المكتب، ومن ثم يقوم فريق عمل متخصص من المكتب بزيارة المركز والتحقق من صحة الشكوى، وفي حال ثبوتها يتم تغريم المركز مبلغاً مالياً حسب حجم المخالفة.
كما يقوم مكتب المعاقين بتوفير محامين وممثلين قانونيين لأي معاق لديه قضية في المحكمة أو يريد أن يتقدم بشيء إلى جهة حكومية أو إلى البرلمان ولكن يتعذر عليه ذلك بسبب إعاقته، كما يقوم المكتب بحملات توعية لإعلام المعاقين وأسرهم بحقوقهم والخدمات الحكومية الموفرة لهم حتى يتحقق أكبر قدر من المنفعة.
قبل أيام قرأت خبراً مفاده أن 250 ألف معاق في الدولة 95% منهم دون تأهيل... وقبل أيام حضرت افتتاح بطولة كأس الخليج لكرة القدم «خليجي 18» فرأيت مجموعة من المعاقين مصطفين على جانب الملعب ليشاهدوا المباراة عن قرب، وعندما أمعنت النظر والتفكير علمت بأن معظم هؤلاء الجالسين على كراس متحركة أحرزوا ميدالية ما في بطولة دولية،وأن منتخب الإمارات الذي تصرف عليه ملايين الدراهم سنوياً لم يحقق أي بطولة دولية منذ تأسيسه!
يبلغ ستيفان اليوم من العمر 31 عاماً، وبفضل العناية المكثفة التي أولتها له الحكومة يستطيع أن يتكئ على عكازات ويقطع بعض الأمتار بعد أن كان هذا الأمر حلماً بالنسبة له... وبفضل عزيمته ودعم حكومته يستطيع ستيفان أن يخرج مع أصحابه في نهاية الأسبوع ويستطيع أن يدعوهم إلى بيته متى يشاء،
وتستطيع أمه أن تعيش في بيتها وهي مرتاحة البال... وبفضل العزيمة استطاع بيتهوفن الذي أصيب بالصمم في أواخر الأربعينات من عمره أن يؤلف أروع مقطوعاته الموسيقية حتى لقب بشكسبير الموسيقى... حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في ليلة عاصفة ممطرة، نظر إلى البرق الذي صاحبه رعد مدوٍ وقال: «حتى هذا الصوت النشاز لن يستطيع أن يفسد موسيقاي».
باحث إماراتي
yasser.hareb@gmail.com