ما إن تسمي الإدارة الأميركية وزير خارجيتها حتى يشد رحاله إلى المنطقة العربية (التي تكرّس اسمها منطقة الشرق الأوسط) وينطلق لسانه بسيل من التصريحات المطمئنة للعرب والتي تتقصد أن تكون فحواها أنه وبلاده يعملون (ليل نهار) لحل الصراع العربي الإسرائيلي وتحقيق (الأمن والسلام) للجميع بشفافية ونزاهة،
ويكتفون أحياناً بهذه التصريحات الغزيرة والمطمئنة بينما يعرضون أحياناً أخرى مبادرات غامضة، عامة، إشكالية، ملتبسة، وقابلة لعدة تفاسير، وإذا قبل العرب أو بعضهم هذه المبادرات سرعان ما يلتفون عليها ويتراجعون (بعد أن تكشف نواياهم) بسبب الخلاف على التفاصيل ويكمن الشيطان في التفاصيل.
بدأ ذلك بعد عدوان يونيو 1967 بقليل عندما أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة (روجرز) مبادرته التي فاجأه عبد الناصر بقبولها فأربكه وأربك إدارته التي أخذت تبحث عن حجج هنا وهناك كي تتراجع عنها وهذا ما تحقق لها، لكن وزراء الخارجية الأميركية الآخرين الذين أتوا من بعده لم يغيروا من الأمر شيئاً
وبقوا يشدون الرحال ويقذفون بالتصريحات ولم يخطر لنا نحن العرب أن نطالبهم بوقفة جادة ومسؤولة تجاه قضايانا والابتعاد عن العموميات والتحدث بالمحسوس والعمل على تبني موقف عادل من حقوقنا، ويبدو أن كلاً منهم استمرأ اللعبة الكلامية وراهن على أننا نكتفي باستقبال الوزير
وطرح همومنا أمامه والاستجابة لبعض مطالبه، وبعدها يعدنا خيراً لم يأت ولا مرة ويبدو أنه لن يأتي أبداً، وكان هذا ديدن وزراء الخارجية الأميركيين دائماً في الوقت الذي تتراجع فيه مطالبنا حتى تخلينا عن كل شيء تقريباً باستثناء الحصير الذي نجلس عليه والذي يقينا بعض البرودة وشيئاً من الرطوبة.
لقد زارنا كل من الوزراء روجرز وكسينغر وشولتز وبيكر وأولبرايت وباول وأخيراً كوندوليزا رايس وغيرهم عدة مرات، وعرضوا مقترحات ومبادرات كان من شأنها في الحقيقة تجميد الحال ووضعنا في مناخ اطمئنان زائف، وكلنا يتذكر مشروع روجرز بعد عدوان يونيو 1967 وتطمينات كسينغر بعد حرب أكتوبر 1973 واقتراحات بيكر بعد حرب الخليج الثانية وقبيل مؤتمر مدريد 1992
وألاعيب أولبرايت بعد أوسلو 1994 وتصرفات غيرهم من وزراء خارجية الولايات المتحدة التي كسرت شوكتنا وفرقت صفوفنا وجمدت فعالية مطالبنا وأفسدت علينا مواقع قوتنا وأوصلتنا إلى ما نحن فيه والذي لا يسر صديقاً ولا يرضي مخلصاً ولا يطمئن مواطناً على حاضره ولا على مستقبله ومستقبل أبنائه وبناته ويمسخ حقوقنا غير القابلة للتصرف ويحولها إلى مطالب آنية وإلى فتات مطالب يستوي الحصول عليها مع عدمه.
يُحسب للسيدة كوندوليزا رايس في زيارتها الأخيرة أنها لم تدلس فلم تزعم أنها تحمل مبادرة ولم تقل إنها (سترفع الزير من البير) بل والأكثر من ذلك كانت صريحة قبل مجيئها، (مع أنها حاولت إيهامنا بغير ذلك عند وصولها في الأيام الأولى لزيارتها) فقد قالت بتصريح مكتوب قبل مغادرة بلادها (لست ذاهبة باقتراح ولا بخطة،
وسأسعى للحصول على مساعدة دول عربية من أجل تحقيق الاستقرار في العراق) وبهذا تكون قد حددت أهداف زيارتها بأنها تسعى لكسب مساعدة الدول العربية للوقوف بجانب الرئيس بوش وإستراتيجيته الجديدة في العراق، ولا يقع ضمن همومها لا حل الصراع العربي الإسرائيلي ولا التخفيف عن الفلسطينيين
ولا الاهتمام بالقضايا العربية الأساسية الأخرى، أي بصريح العبارة لقد جاءت لتأخذ لا لتعطي ولتبتز لا لتبحث جدياً عن حل يرفع الضيق عن الفلسطينيين على الأقل، بل الأنكى من ذلك أنها قسمت العرب إلى معتدلين ومتطرفين (وقسمت الفلسطينيين كذلك) وزعمت أنها إنما جاءت لدعم المعتدلين (ولجم قوة المتطرفين منهم) كما أكدت في تصريحها، وحاولت بذر شقاق أبدي بين فتح (المعتدلة) وحماس (المتطرفة) وإقامة محاور عربية ضد محاور أخرى وخلط الحابل بالنابل.
تعرف السيدة رايس وإدارة الرئيس بوش من خلفها أن تصنيف العرب إلى معتدلين ومتطرفين في هذه الأيام هو تصنيف تعسفي ويدفع إلى الانشقاق والتناقض واستطراداً إلى تكريس سياسة المحاور، لأن المعتدلين من العرب بل والمعتدلين جداً حسب تصنيفها شأنهم شأن المتطرفين إنما يصرون على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967
والتخلي عن ضم القدس وعن المستوطنات والتمسك بالقرارات الدولية وعلى رأسها حق العودة والانسحاب من الجولان وهذا هو مفهوم (الأرض مقابل السلام) والذي خدعنا الرئيس بوش الأب ووزير خارجيته بيكر قبيل عقد مؤتمر مدريد (1992) وقال إنه سيحققه،
وفي الوقت نفسه فإن الأكثر اعتدالاً من العرب يطالب بانسحاب الجيوش الأميركية من العراق وإخلاء المنطقة من الأسلحة النووية واحترام مصالح البلدان العربية وحقوقها في نفطها وفي اقتصادها وتأمين مصالحها، ولم تكن المبادرة العربية في بيروت عام (2002) سوى خلاصة لهذه المطالب،
فلماذا هذا التقسيم التعسفي للعرب بين معتدل ومتطرف، إلا إذا كان جزءاً من خطة لتقسيم العرب عربين ووضعهم في أتون المحاور والخلافات مع أن مواقفهم متماثلة تجاه القضايا الأساسية. فالمسألة إذن ليست مسألة معتدلين ومتطرفين عرباً بل معتدلين عرباً ومتطرفين إسرائيليين يرفضون أية تسوية ويستأسدون بتحالفهم مع الولايات المتحدة،
وسياسة أميركية همومها مختلفة لا تقيم وزناً للمصالح العربية ولا تفكر حتى بتسوية بين العرب والإسرائيليين وإنما بتبني سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي تعمل لإجبار العرب على صلح إذعان، ويتحفنا وزراء خارجيتها بالتصريحات والمبادرات التي كلما كبرت وكثرت كانت مدعاة للخوف والتشاؤم.
نتمنى أن تكون السيدة رايس قد فهمت أو أفهمت ممن قابلتهم أو اجتمعت بهم من المسؤولين المعتدلين العرب أنهم لن يتخلوا عن حقوق الشعب الفلسطيني وهم يصرون على المبادرة العربية من ألفها إلى يائها لأنها تشكل الحد الأدنى الذي يقبلونه، وأن إسرائيل هي التي ترفض أية تسوية لأن الداخل الإسرائيلي لم ينضج لمثل هذه التسوية بعد، وإن العرب معادون للإرهاب واكتوى معظمهم بناره لكنهم يعتبرون مقاومة المحتل الإسرائيلي والأميركي
وممانعته ليست إرهاباً بل هي عمل شرعي ومن التضليل اعتبارها غير ذلك، كما نتمنى أن تكون السيدة رايس قد فهمت أو أفهمت أن شروط السلام العادل يتفق عليها معتدلو العرب ومتطرفوهم وأن الاعتدال لا يعني التبعية والخنوع والتفريط بالحقوق والمصالح. وعليها في الزيارة القادمة أن تكف عن تبني موقف في بلادها وآخر في بلادنا واللعب على الحبلين في آن واحد،
وتحمل معها خطة واضحة وعادلة ونزيهة لحل الصراع العربي الإسرائيلي وحل المسألة العراقية التي أوصلتها السياسة الأميركية للهاوية. وإلا فمن العبث تكرار الزيارات والتصريحات بهدف الابتزاز وبذر الشقاق بين العرب، واستخدامهم لإنقاذ استراتيجية الرئيس بوش ونصرته على معارضيه داخل بلاده.
كاتب سوري