صرح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بعد صدور القرار 1737 بشأن العقوبات في ديسمبر الماضي بأن كل الذين دعموا وأيدوا قرار مجلس الأمن الذي أعدته بريطانيا وفرنسا وألمانيا سوف يندمون قريباً، وتساءل الكثيرون هل هذا التصريح يشمل روسيا والصين، وما مدى تأثر العلاقات الروسية ـ الإيرانية بهذا القرار؟، بعد صدور القرار بيومين أعلنت شركة النفط الحكومية الإيرانية دعوتها للشركات العالمية لتقديم عروض لعقود عمل في قطاعات حيوية كانت من قبل شبه قاصرة على الشركات الروسية وخاصة في مجال الطاقة.
مثال على ذلك استثمار حقول النفط في جنوب إيران، والتي كان متفق عليها مع الشركة الروسية «لوك أويل»، وتصور البعض أن مثل هذه الأمور هي بداية تداعيات موافقة روسيا على قرار العقوبات الدولية وأن ثقة الإيرانيين في روسيا قد اهتزت، وأن طهران في طريقها لإعادة حساباتها في علاقاتها مع حليفتها الكبرى.
الخارجية الروسية علقت على هذا القرار بقولها ان ما توصلت إليه الدول الأعضاء في مجلس الأمن هو أخف ما يمكن أن تصل إليه العقوبات على إيران وأن المتوقع كان أكثر وأشد لولا جهود موسكو، وصرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بأن «القرار 1737 حقق الأهداف التي كانت تطمح روسيا لتحقيقها ومن أهمها خلق ظروف لإعادة الحوار والمباحثات مع إيران وإعطائها فرصة لإثبات سلمية برنامجها النووي».
قرار مجلس الأمن الدولي الذي أعلنت طهران عن رفضها له لم يتم فقط بموافقة روسيا بل ان الصياغة الأساسية لمشروعه قدمتها موسكو نفسها كتعديل على مشروع سابق قدمه الأوروبيون، ويحظر القرار على طهران استيراد أية مواد أو تقنيات تستخدم في عمليات التخصيب، وينص أيضا على منع إيران من استيراد أية أسلحة استراتيجية تستخدم في حمل رؤوس نووية، جهود موسكو طيلة الأيام التي سبقت اتخاذ القرار أدت بالفعل إلى إنقاذ إيران من عقوبات كان الأوروبيون قد اتفقوا عليها في المشروع الذي أعدوه والذي رفضته موسكو وبكين وأجروا تعديلات جذرية عليه.
وكان يحتوى المشروع الأوروبي على بنود مثل تجميد أرصدة شخصيات وجهات إيرانية في الخارج و شملت أيضا منع السفر لبعض المسؤولين عن البرنامج النووي الإيراني، وعقوبات أخرى من هذا القبيل رأت فيها روسيا تشددا وتعسفا يمكن أن ينتج عنه التشدد المضاد من قبل طهران ويدفعها لرفض الدخول في مفاوضات أخرى.
المسؤولون الإيرانيون لم يصدر عنهم أية تصريحات ضد موسكو أو بكين، والكثيرون من المراقبين لا يتوقعون أن يصدر تصريحات من هذا القبيل من طهران، وهناك أراء تتوقع أن يكون لقرار مجلس الأمن تداعيات إيجابية في العلاقات الروسية - الإيرانية، على الأقل على الجانب الروسي حيث انه من المتوقع أن يحد القرار من اتصالات طهران وعلاقاتها الخارجية ويحصر تعاملاتها بشكل كبير مع روسيا فقط، خاصة وأن القرار سمح لروسيا بمواصلة تعاملها مع إيران في البرنامج النووي وبرامج التسليح العسكري العادي غير الاستراتيجي، ويرى البعض الآخر أن موافقة روسيا على القرار جاءت بعلم وباتفاق مسبق مع طهران لتفادي عقوبات أكبر كانت متوقعة.
والبعض الآخر يرى أن موافقة روسيا على القرار جاءت من منطلق براجماتي بحت يرجح المصالح الروسية على كل شيء حتى على مصالح إيران نفسها، ولكن طهران تتعامل مع القرار بشكل آخر حيث تعتبره إدانة في حد ذاته بغض النظر عن حجم العقوبات مما يضعف موقفها الدولي لأنها كانت ومازالت مصرة على سلمية برنامجها النووي وخلوه من أية شبهات عسكرية، وتعنى موافقة روسيا على القرار بالعقوبات في نظر طهران أن موسكو تقر بإدانتها، الأمر الذي يعطي واشنطن وتل أبيب الحق في مواصلة تهديداتهم وضغوطهم تجاه إيران، والتي يمكن أن تتطور في المستقبل.
الواقع أن العلاقات الإيرانية ـ الروسية لها خصوصيات تميزها، وربما لا نبالغ إذا قلنا انها تتجاوز حتى البرنامج النووي الإيراني الذي تشرف روسيا على إنجازه، وربما لا يخفى على أحد أن المنشآت الحيوية الإيرانية بما فيها النووية تحرسها بطاريات صواريخ روسية، كما أن التعامل بين البلدين في مجال السلاح متسع لحدود لا يعرفها الكثيرون، وكانت أخر تعاملاتهم صفقة الصواريخ من طراز ( تور إم 1 ) في العام الماضي.
وشكوك كثيرة لدى الغرب وواشنطن بأن التعامل العسكري بين البلدين يتجاوز ما هو معلن عنه رسميا، وتخشى واشنطن وأيضا إسرائيل أن تزود روسيا إيران بمنظومات الصواريخ من طراز ( إس 300 ) المضادة لكافة الأجسام الهجومية سواء الصواريخ أو الطائرات المقاتلة، وإن كانت موسكو تنفي تماما أية نية لديها لإعطاء هذه الصواريخ لإيران.
أيضا هناك تنسيق كبير بين موسكو وطهران في مجالات الطاقة سواء في النفط أو الغاز، وهناك تفاهم بينهما حول تقسيم ثروات بحر قزوين وحول خطوط نقل الطاقة وتصديرها للخارج، بل ان هناك تفاهما كبيرا أيضا حول قضايا سياسية إقليمية مثل قضية الشيشان، وقضايا النزاع بين أذربيجان وأرمينيا، وهما المجاورتان لإيران حول إقليم ناجورنا كاراباخ.
حيث تدعم إيران المسلمة أرمينيا المسيحية ضد أذربيجان المسلمة، وإن كان النزاع بعيدا تماما عن المسائل العقائدية إلا أنه يعكس مدى توافق سياسات موسكو وطهران، أيضا تسعى إيران للانضمام لمنظمة شنغهاي التي تتزعمها الصين وروسيا وتضم عدة دول في وسط آسيا، كل هذه الأمور إلى جانب السياسات العدائية المستمرة من قبل واشنطن تجاه إيران على مدى أكثر من ربع قرن مضى منذ اندلاع الثورة الإيرانية يجعل من الصعب تصور حدوث شرخ في العلاقات بين موسكو وطهران.
وربما يتصور البعض أن موافقة روسيا على قرار العقوبات على إيران جاء بعلم وباتفاق مسبق مع طهران لتفادي عقوبات أكبر كانت متوقعة، و ربما يتصور البعض الآخر أن موافقة روسيا على القرار جاءت من منطلق براجماتي يرجح المصالح الروسية على كل شيء حتى على مصالح إيران نفسها، ولكن واقع العلاقات بين البلدين يؤكد أن هناك مصالح حيوية مشتركة بينهما تحول دون وقوع خلافات بينهما يستطيع الآخرون الاستفادة منها، علما بأن روسيا لا تمانع في تقارب إيران من أوروبا والتعاون بينهما.
خاصة وأن حجم التبادل التجاري بين إيران وبلد مثل ألمانيا يفوق بكثير حجم التبادل بين روسيا وإيران، الأمر الذي يعني أن علاقات طهران بالدول الأخرى ليست مرتبطة بالمعايير والمصالح الروسية بل بمصالح إيران نفسها، وإيران دولة كبيرة لها مصالحها مع العديد من دول العالم، كما أن روسيا الآن ليست الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان يفرض على حلفائه وأصدقائه توجهات معينة في سياساتهم الخارجية، ولا تسعى روسيا الآن لربط الدول الأخرى بسياساتها واستراتيجياتها، ولا تتعامل موسكو الآن مع الدول بسياسة صديق عدوي عدوي أو عدو عدوي صديقي، هذه السياسة التي تتعامل بها واشنطن الآن وتخسر بسببها الكثير.
جامعة سيبيريا
