مع الأيام الأولى من هذا العام الجديد.. وفي غمار النشاط الذي تبادر إليه مراكز الرصد السياسي يطالعنا لفيف من حكماء السياسة الخارجية الأميركية بتنبؤات شتى يحاولون في إطارها أن يستشرفوا مستقبل التطورات السياسية في عالم القرن الجديد بعامة والسنة الوليدة بشكل خاص.

ولقد يفيدنا الاطلاع على المسار العام لتلك التنبؤات السياسية، وهي بداهة تقوم على أساس توافر معلومات علمية وحقائق مستقرة وفاعلة في تربة البنى السياسية في هذه المنطقة من العالم أو تلك، لكن الذي يفيدنا أكثر هو أن نركّز على حصائل هذه التنبؤات التي تعمل على استشراف مستقبل التطورات في بلادنا بإقليم الشرق الأوسط والوطن العربي - الجناح المشرقي على وجه الخصوص.

في هذا الإطار نفاجأ بأن جمهرة من محللي السياسات في مراكز البحوث المختصة بالولايات المتحدة يطلون على التطورات المرتقبة في منطقتنا من خلال منظور مجلل بالسواد ومحفوف بالتشاؤم للأسف الشديد.

ها هو الأستاذ ريتشارد هاس، وهو باحث ومفكر يجمع بين تاريخ الممارسة الصحفية الطويلة وبين الخبرة العلمية بمواقع دبلوماسية رفيعة في بلاده ثم بين رئاسته الراهنة لمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن: ريتشارد هاس يرى أن الشرق الأوسط الجديد كيان يُرتقب قيامه وتشكّله واستواؤه في الفترة القريبة المقبلة، ولكن من منظور لا يبشر بخير كثير بل إنه مستقبل يقول عنه المفكر الأميركي ما يلي:

- من الأرجح أن يسبب «الشرق الأوسط الجديد» كثيرا من الخطر لنفسه وكثيرا من الخطر كذلك للولايات المتحدة والعالم.

ولقد درج المراقبون والمحللون لشؤون المنطقة على أن يتعاملوا معها بوصفها بوتقة تفاعل مطرد عبر التاريخ بين القوى الداخلية والخارجية وهو تفاعل ناجم عن انتماء الشرق الأوسط إلى منطقة حوض البحر المتوسط باعتبارها مهاد نشوء ونضوج أهم الحضارات العريقة التي عرفها تاريخ الإنسان على كوكب الأرض فضلا عن اتصال المنطقة جغرافيا وثقافيا مع حضارات أخرى قامت عند تخومها في إيران وشبه الجزيرة الهندية وغيرهما.

لكن ها هو الأستاذ «هاس» الذي نحيل إلى طروحاته في هذه السطور يؤكد مجددا أن ميزان هذه المعادلة من التفاعل الداخلي - الخارجي يميل إلى نوع من الاختلال لصالح القوى الداخلية وفي هذا يقول:

- إن الحقبة المقبلة من تاريخ وأوضاع الشرق الأوسط تشير إلى أن العوامل الخارجية لن يكون لها سوى دور وأثر متواضع نسبيا فيما تكون اليد العليا والتأثير الفعال من نصيب العوامل المحلية والقوى الداخلية. ثم يوضح الكاتب أن هذه القوى الداخلية - الشرق أوسطية سيكون قوامها عناصر راديكالية (بمعنى التطرف والغلو السياسي وربما الاجتماعي والعقائدي) بحيث تجعل هّمها الأول هو تغيير «الستاتيكو» أو الأحوال القائمة.

وبهذا فإن محاولات الأطراف الخارجية سواء كانت من إدارة البيت الأبيض أو كانت من صفوف جماعات المحافظين الجدد.. أو من جانب إدارة ديمقراطية طامحة إلى السلطة بعد سنتين في الولايات المتحدة - مثل هذه المحاولات من جانب أميركا أو غيرها من حلفاء السياسة أو شركاء المصالح في العالم ستكون في رأي ريتشارد هاس أمرا غاية في الصعوبة من ناحية، بل سوف يزداد الأمر تعقيدا إذا ما أضيفت إلى أجندة هموم السياسة الأميركية في هذه الفترة واجبات التعامل مع قارة آسيوية، دينامية الحركة، وثّابة الطموح، ولاسيما من جانب أقطار تتلمظ إلى المشاركة في كعكة الهيمنة الكوكبية في مجتمع العولمة مثل الصين والهند، دع عنك البعد الياباني الذي يطمح من جانبه إلى تعويض بطء وتعثر التسعينات.. فما بالك بالدب الروسي الذي طالما تمتع بصفة العملاق خلال الأيام السوفييتية الخوالي ومازالت تراوده نوازع العودة في ظل كرملين - بوتين إلى المشاركة في مقاليد الهيمنة من جديد.

لقد عاشت منطقة الشرق الأوسط في عرف الحوليات السياسة الأميركية خمس حقب أساسية من تاريخها الحديث.. بدأت الأولى منذ أواخر القرن الثامن عشر وبالتحديد في عام 1774 أي بتوقيع معاهدة الصلح بين روسيا والدولة العثمانية.

أما الحقبة الثانية فبدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وظلت مستمرة إلى أن وافت الحقبة الثالثة مع غروب الأربعينات ومطالع الخمسينات وكانت حقبة ازدهار دعوة القومية العربية وصعود المد القومي واشتداد ساعد حركات الاستقلال الوطني وإرهاصات تحولات التنمية الاقتصادية.. والاجتماعية.. وفي هذا يقول مؤرخ كامبردج العربي الأصل، ألبرت حوراني: من يحكم الشرق الأدنى (الجناح المشرقي من الشرق الأوسط) يحكم العالم.. ولقد جاءت أزمة السويس (حرب التأميم وصّد العدوان الثلاثي في بورسعيد) لتشكل نهاية الحقبة الاستعمارية وبدء حقبة الحرب الباردة.

الحقبة الثالثة من تاريخ المنطقة وربما تكون قد بدأت بانكسار الخامس من يونيو 1967 شهدت - كما نعرف - أزمة النفط وحرب السادس من اكتوبر 1973 واتفاقات كامب ديفيد ونشوب الثورة الإيرانية ثم أسلمت في ختامها إلى نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين إلى حيث عاشت المنطقة حقبتها الرابعة خلال عقد التسعينات كي تنتهي الحقبة المذكورة بحادثة المركز التجاري في نيويورك في سبتمبر من عام 2001، وبعدها تجلت ظواهر وطُرحت دعوات مستجدة تماما على الأوضاع والإفهام لم يكن أقلها ظاهرة العولمة ولا إعلان حرب النظام الأميركي الشاملة على ما وصفته بأنه ظاهرة الإرهاب ولا غزو قطرين أحدهما في أطراف منطقة الشرق الأوسط هو أفغانستان وثانيهما عند بوابتها الشرقية في العراق. كل هذا تم في إطار انفتاح المنطقة موضوعيا على قنوات الاتصالات والبث الفضائي الساتلي بالأقمار الاصطناعية الأمر الذي حوّل العالم العربي إلى كيان مستجد تماما يطلق عليه الأستاذ ريتشارد هاس الوصف التالي: القرية الإقليمية.

ولأن هذا المفكر الأميركي يصدر - كما نتصور - عن رؤية شبه موضوعية بمعنى بعيدة عن تعصب المحافظين الجدد، ومتجردة إلى حد ملحوظ من وطأة انفعالات اللحظة أو محاولة استمالة وربما استجداء القارئين وخاصة من يملكون مقاليد الأمور.. فإن الآراء التي طرحها مؤخرا (في دراسة منشورة في أحدث أعداد مجلة فورين أفيرز) تستحق الاهتمام خاصة وأنه يطل على الحقبة الخامسة من تاريخ وحاضر منطقة الشرق الأوسط من خلال منظور اتصافها بعدة عوامل وسمات يعرضها في 12 ملمحا وهو ما نحاول أن نوجزه من جانبنا على النحو التالي:

(1) سوف تواصل أميركا تمتعها بنفوذ في المنطقة ولكن بدرجة أقل مما سبق وذلك لصالح نمو نفوذ وتأثير القوى المحلية.

(2) تتنافس مع النفوذ الأميركي محاولات تبذلها أطراف متنافسة أخرى ومنها الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا وربما دول أوروبية أخرى - حيث تحتدم المنافسات على إمدادات النفط واتفاقات التجارة وطرح حلول لقضية فلسطين.

(3) يزداد دور إيران في مجريات أمور المنطقة تحدوها في ذلك طموحات إقليمية من ناحية ومستخدمة ما تتمتع به من ثروة نفطية ونفوذ تمارسه مع أكثر من فصيل على صعيد المنطقة.

(4) إسرائيل ستكون هي القوة المؤثرة الأخرى في الشرق الأوسط (يقصد بخلاف إيران) حيث تستند إسرائيل في ذلك إلى اقتصاد حديث وقدرة على التنافس عولميا (كوكبيا). بيد أن إسرائيل يمكن أن تدفع ثمن احتلالها للضفة الغربية مع استمرار مواجهتها تحدي الأمن وإذا ما طورت إيران أسلحة نووية فإن موقف إسرائيل - وأميركا أيضا - سوف يزداد تدهورا.

(5) من المستبعد إلى حد كبير التوصل إلى أي تسوية سلمية عملية أو معقولة في المنطقة (الإشارة إلى الصراع العربي - الإسرائيلي) ذلك لأن حزب كاديما الحاكم حاليا في إسرائيل أضعف من الإقدام على أية خطوة جذرية. كما أن قرارات الانسحاب من جانب واحد لم تُجد فتيلا، وأميركا فقدت الكثير من رصيدها كوسيط يتمتع بالمصداقية.

(6) سيظل العراق، رغم موقعه المحوري في المنطقة، يعاني من فوضى ضاربة أطنابها من حيث الأوضاع الأمنية والحياتية والانقسامات الطائفية.

(7) ترتفع أسعار النفط بسبب زيادة الطلب وخاصة من جانب الصين والهند مع فشل المجتمع الأميركي في تحجيم الطلب ولدرجة قد تصل السعر إلى 100 دولار للبرميل.

(8) تتفاقم النزعة العسكرية في المنطقة وخاصة في ضوء تنامي الجيوش «الخاصة» في بقاع شتى ما بين العراق إلى لبنان إلى المنطقة الفلسطينية وكلها تتعيش على استضعاف سلطة الدولة.

(9) تعاني المجتمعات المنقسمة من غوائل العنف أو الإرهاب (بمعنى استخدام القوة ضد المدنيين لتحقيق أغراض سياسية حسب التعريف الدولي) وتعاني من نفس الآفة مجتمعات أخرى فتواجه مشكلات عنف مماثلة.

(10) سيظل الإسلام عاملا مهما في ملء الفراغ السياسي والفكري (الثقافي) في العالم العربي من أجل أن يشكل أساسا وطيدا تقوم عليه الهياكل والأطروحات السياسية للغالبية من سكان المنطقة وبحيث تصبح دعوة القومية العربية من تراث الماضي وتصبح الديمقراطية حلما في مستقبل بعيد.

(11) من المرجح أن تظل النظم الحاكمة في المنطقة سلطوية فيما تنمو بين ظهرانيها مشاعر من التشدد الديني ومن العداء ضد أميركا.

(12) تظل عوامل الضعف والوهن من نصيب المنظمات الإقليمية في العالم العربي والشرق الأوسط، ويظل الإحباط والإجهاض من نصيب كثير من المشاريع الإنمائية الإقليمية، وتظل التجارة البينّية على صعيدها متواضعة الأرقام. وبرغم الاحتياجات الماسّة إلى المصنوعات المتقدمة فلن تستطيع المنطقة والحالة هذه أن تنتجها محليا أو قطريا أو إقليميا.. بل سوف يتواصل اعتمادها على استيراد احتياجاتها الجوهرية من خارج الحدود.

كاتب مصري