صار الحديث عن هوية أعمال خليجية يستند إلى واقع ينطق بمفردات وأرقام وتعبيرات تجوب بلدان مجلس التعاون الخليجي الست، ويسهل على الزائر للدولة التيقن من أن وجود هوية أعمال خليجية ليس مجرد شعار تزدان به يافطات الاجتماعات الرسمية الخليجية أو مجرد عنوان لأوراق عمل رسمية تتحدث عن آفاق المستقبل، بل صارت هذه الهوية موجودة على هيئة مظاهر وتعبيرات متعددة ومتنوعة.
وعندما كانت تثور المقارنات والمقابلات بين نموذجي الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، طفت دائما مقولات تتحدث عن التكامل الصادر من أعلى والتكامل الصادر من القاعدة، حيث إن مدى قوة ومتانة التكامل يعتمد على وجود بنية تحتية من المصالح التي تجمع بين التجمعات والقطاعات الاقتصادية، ووجود شبكة من المصالح تربط بين أصحاب الأعمال، وتكمن هنا مصادر القوة الحقيقية للتكامل الاقتصادي والتي تفوق في أهميتها الاتفاقيات والوثائق الرسمية، إذ يصبح هذا التكامل معلقا في الفضاء الخارجي، إذا غابت هذه الشبكة من المصالح.
وبإمكان الزائر للدولة أن يتلمس حقيقة وجود هوية أعمال خليجية في أعداد الزائرين الخليجيين لمهرجانات دبي للتسوق والتي تضفي على المدينة أجواء احتفالية طوال العام، وأعداد المكتتبين الخليجيين في الإصدارات التي تدرج في أسواق المال، بل أن بعض الشركات في الدولة ينتمي معظم حملة أسهمها إلى الدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي.
وربما يردد البعض جزافا أن الإقبال الكبير على الاكتتاب في أسهم شركة دانة غاز قد أثقل على الريال السعودي، ولكن يدل مثل هذا التقييم على أن هوية الأعمال الخليجية صارت واضحة وضوح الشمس، ويدل كذلك على مدى الترابط الحاصل بين أصحاب الأعمال الخليجيين.
بل والأكثر من ذلك، نحن إزاء ظاهرة ربما لفتت انتباه كثيرين، وهي ظهور قاعدة من رجال الأعمال الخليجين الذين يتقاسمون الكثير من الملامح والصفات المشتركة، فهم أولا نشأوا وترعرعوا تحت عباءة الطفرة النفطية التي شهدتها الدول الخليجية في حقبة السبعينات، وهم ثانيا حظوا بمستويات عالية من التعليم والتدريب، وهم ثالثا استفادوا من حكمة الرعيل الأول وتزودوا في إداراتهم للأعمال بمناهج العلم الحديثة، والدروس التي استقوها من معايشتهم للشعوب المتقدمة.
ومن الواضح أن هذا الجيل الجديد من رجال الأعمال الخليجيين أكثر حظا من أسلافهم، فهم علي وعي بهويتهم وتراثهم وتقاليدهم، وهم وفي الوقت ذاته على فهم جيد بأساليب إدارة الأعمال ومفردات اللغة المتداولة في هذا العالم البالغ التعقيد، ولهذا، هم يحرصون على أن يكونوا خير تطبيق عملي في الجمع بين الأصالة والحداثة.
وتجد تعبيرات الأصالة في حرص هذا الجيل الجديد من رجال الأعمال الخليجيين على ارتداء الزي الخليجي في أعماله وتنقلاته ورحلاته وأسفاره، بل ويساور الناظر إليهم الانطباع بأنهم يتباهون بارتداء الدشداشة والعقال والقترة والقحفية، فمثل هذه التعبيرات المظهرية هي العنوان الرئيسي للهوية، وعندما يتحدثون مع أبناء جلدتهم، ينطقون اللغة العربية من دون إقحام لكلمات من اللغات الأجنبية في مقاطع أحاديثهم.
وتجد تعبيرات الحداثة في اكتسابهم لمهارات والاتصال والتخاطب مع الشعوب الأخرى، واحترامهم لعادات وقيم وتقاليد الثقافات الأخرى من دون التخلي عن الهوية الذاتية.
وإذا ما كان جائزا الحديث عن هوية أعمال عالمية أفرزتها الثورة المعلوماتية والاتصالية، وتتجسد هذه الهوية في وجود معايير ومواصفات وأساليب مشتركة في إدارة وتسيير الأعمال بين أصحاب الأعمال في مختلف مناطق العالم والتي أصبحت أحد الملامح المميزة لظاهرة العولمة التي تجوب عالمنا المعاصر، فإنه من الجائز أيضا القول بأن الحفاظ على الهوية المحلية يعطي لأصحاب الأعمال الخليجيين نكهة متميزة ومتفردة تجعلهم موضع احترام وتقدير من أصحاب الثقافات الأخرى، بل وتوفر لهم البوصلة التي تهديهم في عالم يموج بالتغييرات والتقليعات والتي قد تجهز على المرء من دون أن تريق له قطرة دم.