«إنني أخطأت وأتحمل المسؤولية عن أخطائي في العراق» هذا ما قاله الرئيس الأميركي وهو يراجع سلسلة أخطاء ارتكبتها إدارته على مدى يقرب من أربع سنوات. وقد سبق للوزيرة رايس أن صرحت منذ ما يقرب من عام بأن الولايات المتحدة قد ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية في العراق. وإذ يعترف الرئيس الأميركي بأن هذه الأخطاء هي التي سلبته القدرة في تحقيق النصر في العراق، يحشد قواه في محاولة جديدة، قد تكون الأخيرة المتاحة له، لكسب الحرب.

لقد أكملت الإدارة الأميركية وضع اللمسات الأخيرة على استراتيجيتها الجديدة، وهي تستعد لبدء طور جديد من سياستها في العراق وعموم الشرق الأوسط من خلال اعتماد خطة أمنية جديدة وسط توقعات متضاربة حول فرص النجاح المتوافرة للخروج من الأزمة العراقية. وتأتي هذه الخطة في ظل أجواء تتميز بما يلي:

1. على مستوى الداخل الأميركي: هنالك تراجع في قدرات الرئيس على صياغة القرارات الهامة التي يراها مناسبة، فلم يعد الكونغرس بمجلسيه مسانداً له كما كان الحال قبل الأول من يناير الحالي بل سيطر عليه الديمقراطيون الذين لا يخفون رغبتهم في البدء مبكراً في انسحاب تدريجي من العراق. كما أن هناك تعاظماً في حجم الاستياء مما تجره الحرب في العراق من استنزاف في الموارد الأميركية المادية منها والبشرية، فقد صرفت الولايات المتحدة في هذه الحرب، حتى الآن، ما يزيد على ثلاثمائة وخمسين مليار دولار، وتجاوز عدد قتلاها الثلاثة آلاف وتجاوز عدد الجرحى العشرين ألفاً، نسبة كبيرة منهم معوقون تشملهم الرعاية الاجتماعية مدى الحياة.

2. على المستوى العالمي: هنالك تزايد في الاستياء من التخبط الأميركي في الشرق الأوسط والعراق بشكل خاص، على المستويات الحكومية والشعبية، فلم تستطع الولايات المتحدة أن تزج بحلف الأطلسي في الحرب على العراق كما حصل في أفغانستان. ولعل التنديد الأخير للرئيس الفرنسي شيراك بالحرب في العراق أحد الأمثلة الكثيرة للمعارضة التي تلقاها سياسة الولايات المتحدة، فقد ركز على فشل السياسة الأميركية في حربها على الإرهاب، فالحرب في العراق لم تسهم في النيل من قدرات الإرهاب بل عززته في مناطق جديدة من العالم.

3. على مستوى الداخل العراقي: لقد واجهت السياسة الأميركية إخفاقاً على جميع الأصعدة عانى منها العراقيون وسيعانون على أمد طويل، فالمحاصصة الطائفية والإثنية التي زرعتها الولايات المتحدة في أسلوب تشكيل مجلس الحكم قد قادت إلى واقع خطير وهو تفتيت النسيج الاجتماعي العراقي سقط من جرائه عشرات الآلاف من القتلى. كما أن الحكومات المدنية التي تعاقبت في ظل الاحتلال لم تقدم أية حلول للمشاكل التي يعاني منها المواطن العراقي بل فاقمتها إلى درجات خطيرة. وبقيت الحياة الاقتصادية طيلة هذه الفترة شبه معطلة ولم تنجح الجهود العراقية في جذب رؤوس أموال عربية أو أجنبية للاستثمار في العراق، وبقي الفرد العراقي غير قادر على الاستغناء عن البطاقة التموينية.

وقد شهدت الفترة الماضية ظهور صراعات لم تكن متوقعة أن تكون بهذه الدرجة من الحدة، فقد سجل العام الماضي ارتفاعا خطيراً في حدة الصراعات العراقية - العراقية جنباً إلى جنب التصاعد في حدة الصراعات الأميركية - العراقية.

وتشمل الاستراتيجية الأميركية الجديدة في العراق المحاور التالية:

1. المحور الدبلوماسي: أجريت بعض التغييرات في مراكز مهمة فقد نقل السفير الأميركي زلماي خليل زاد من بغداد وعين سفير جديد بدلاً عنه وعين جون نغروبونتي بمنصب نائب وزيرة الخارجية مما عزز التيار المتشدد في الإدارة الأميركية. أعقب ذلك جولة الوزيرة رايس في المنطقة العربية لحشد التأييد العربي لإعادة دمج العراق بمنظومته العربية، فالولايات المتحدة قد بدأت تدرك أهمية البعد الإقليمي للحرب في العراق.

2. المحور السياسي: استبعاد كلي للحوار مع سوريا وإيران الذي أوصت به مجموعة دراسة العراق والذي يطالب به الديمقراطيون كذلك، وتجاوز ذلك إلى انتهاج سياسة مواجهة تصعيدية مع هذين البلدين. ويستند هذا المحور كذلك إلى ممارسة الضغوطات الشديدة على رئيس الوزراء العراقي لرفع الغطاء عن بعض الميليشيات التي لم تفلح الوسائل الدبلوماسية في إقناع قادتها بالتخلي عنها ولم يتبق سوى مواجهتها عسكرياً وتفكيكها ونزع أسلحتها. ويتضمن هذا المحور إجراءات للتخفيف من تأثيرات قانون اجتثاث البعث وإعادة النظر ببعض مواد الدستور الدائم التي هي موضع خلاف كبير بين الفرقاء العراقيين، وأبرزها ما يتعلق بتوزيع الثروة النفطية وفيدرالية الأقاليم، ويشمل كذلك العمل على منح دور أكبر للعرب السنة في العملية السياسية.

3. المحور العسكري: أجريت تغييرات في القيادة الأميركية الوسطى وفي قيادة القوات الأميركية في العراق، وصدر قرار بزيادة عدد القوات الأميركية بمقدار 21500 جندي يوزعون في منطقتين ساخنتين حيث سيتمركز 17500 جندي في بغداد و4000 في الأنبار، وقد بدأت طلائع هذه القوات بالوصول إلى بغداد. كما أرسلت الإدارة الأميركية حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة، والجدير بالذكر إن الخطة تتضمن نشر صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ في بعض دول المنطقة.

4. المحور الاقتصادي: خَصصت الخطة مبلغاً قدره مليار دولار لإعادة إعمار العراق، ورغم ضآلة هذا المبلغ، إلا أنه قد يسهم في إيجاد فرص عمل لآلاف الشباب العاطلين ويمنع انحرافهم إلى العنف والخروج على القانون. كما أن الميزانية العراقية هي الأخرى كبيرة هذا العام فقد بلغت اثنان وأربعون مليار دولار يمكن أن تحدث نقلة ملحوظة في مستوى الخدمات إذا سلمت من حبائل الفساد المالي والإداري المستشري في الدولة العراقية.

لا شك أن هذه الخطة قد أعدت بعد دراسة متأنية استفادت من أخطاء الماضي، وهي حزمة تتكامل فيها عناصر هامة عديدة قد تساعد على استتباب الأمن في العراق، ولكن أبرز ما فيها هو الهراوة الغليظة، فالخطة تحمل بصمات قوية للرئيس الأميركي نفسه الذي يفضل أن تمسك يمناه مسدساً وليس يراعاً، فسمات القائد العنيد الذي يرفض توصيات مستشاريه وليس سمات السياسي البراغماتي، هي الأكثر وضوحاً فيها.

إن إخفاق الخطط الأمنية التي جربت في الماضي قد يثير شكوكاً حول مصير الخطة الأمنية الجديدة، فلم يخف الجنرال جورج كيسي بأنه ليس هنالك من ضمان لنجاح هذه الخطة وهي إن نجحت، فإن ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها، وتُرجح بعض المصادر القريبة من صناع القرار بأن تنفيذها قد يستغرق ستة أشهر وقد نلمس بعض نتائجها في غضون شهرين.

إن الوضع السياسي العراقي على درجة كبيرة من التعقيد، زادت التدخلات الخارجية من تعقيده واستقطابه على مدى السنوات الثلاث الماضية، ولم تقم الولايات المتحدة بجهد يذكر للحد من هذا التدخل، ولكن يبدو أن الخطة الجديدة فيها من الحزم والحجم ما أخاف بعض دول الجوار العراقي ودفعهم إلى البحث عن قناة توصل رغبتهم إلى واشنطن بالتخفيف من وتيرة التصعيد مخافة أن يتحول إلى مواجهات مدمرة.

ليس من المتوقع أن يحزم الجنود الأميركيون حقائبهم ليرحلوا عن العراق كما رحلوا في سبعينات القرن المنصرم عن فيتنام أو في ثمانيناته عن بيروت أو في تسعيناته عن مقديشو، فلم يكن للولايات المتحدة مصالح هامة في تلك البلدان تقارن بما لديها من مصالح في العراق، ولم يكن لديها من الحلفاء في تلك البلدان كما هو الحال في العراق. ولعل أوضح مؤشر في هذا الصدد هو إعلان وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في بروكسل، في السادس عشر من يناير الجاري، بأن تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الخليج بمثابة إشارة موجهة «خصوصاً إلى إيران» بأن الولايات المتحدة تعتزم البقاء لفترة طويلة في هذه المنطقة الإستراتيجية.

يرى بعض الساسة الديمقراطيين بأن الوقت لم يفت بعد، بل لا يزال هناك احتمال لانتزاع النصر من فم الهزيمة، إذا ما أدركت إدارة بوش بأن النصر في العراق لن يكون عسكرياً وإن أكثر ما يمكن ان نأمل به هو التفاوض على تسوية مرضية تؤدي لإرساء الاستقرار والأمن في المنطقة، إذ لن يتحقق أي سلام في العراق دون استراتيجية سياسية. ونضيف نحن إلى ذلك بأنه ليس هنالك من ضمان لنجاح هذه الاستراتيجية ما لم تُعزز بحسن نوايا الفرقاء العراقيين.

وختاماً عود على بدء: «إنني أخطأت وأتحمل المسؤولية عن أخطائي في العراق» هذا ما قاله الرئيس الأميركي، فهل هو وحده من أخطأ ؟، كم بودنا أن نسمع من الساسة العراقيين تقويماً لمسيرتهم منذ سقوط النظام السابق.

كاتب عراقي

ea.ten.setarime@lamajam